
كثر الحديث هذه الأيام في الأوساط الاقتصادية عن صراع البنك المركزي مع المصدرين حول عائد الصادر وجرى الحديث على نحو فيه كثير من الغث لكن لا يخلو الغث من سمين على قاعدة لا يخلو البتاب من العيش.
ليسمح لي القارئ الكريم ان نقف على بعض الأسئلة المهمة التي تقودنا بسهولة الى العبور السلس نحو حقيقة هذا الصراع، وانا على يقين من ان هنالك من أصحاب الاختصاص من أبحر في هذا الشأن الى أعماق بعيدة وقدم تحليلا اتبعه حلولا، لكن يبدو ان النسيان او الإهمال قد طوى بعضها.
سنحاول الإجابة على الأسئلة التالية التي تكشف لنا عن بعض الغموض الذي يكتنف قضية عائد الصادر.
هل يعتبر نشاط الصادر من الأنشطة التي يشرع للقطاع الخاص ممارستها وما هي المؤهلات التي تشترطها القوانين واللوائح المنظمة وما هي أهميته بالنسبة للاقتصاد الكلي؟
هل يعتبر عائد الصادر حق مكتسب للمصدر ام هو ملك عام للبنك المركزي التحكم فيه بصورة مطلقة؟
كيف يتعامل البنك المركزي مع حصيلة الصادر وما هي التحديات القانونية والتجارية التي تواجه المصدرين وما هي الخيارات المتاحة له في ظل الضوابط السارية؟
هل هنالك حلول توازن بين موجهات السياسة النقدية وأهدافها ومصلحة المصدر؟
هل يعتبر التخلف عن توريد حصائل الصادر مشكلة تعيق الاقتصاد الكلي.؟
هل يمكننا ان نطلق على المصدرين الذين تخلفوا عن توريد حصيلة الصادر كلمة مهربين وكيف يعرف القانون عملية التهريب؟
كيف نفسر العجز في ميزان المدفوعات وعلاقته بعائد الصادر وما علاقة المستوردين بمشكلة عائد الصادر؟
من أي المصادر تم تغطية قيمة الصادرات في ظل العجز الكبير للميزان التجاري وهل هي مصادر مشروعة؟
هل تلبي السياسات النقدية السارية الطلب على العملة الصعبة التي سينشأ مع انطلاقة قافلة السلام والتعمير؟
نشرع في الحديث بمزيد من الشرح و نقول و بالله التوفيق ان نشاط الصادر يعتبر من الأنشطة التجارية المشروعة و تمارسه كافة الشركات التي تجتاز شرط الجدارة الائتمانية و الرمز الائتماني و كل ما يتعلق ب (أعرف عميلك ) لدى كافة البنوك التجارية العاملة في السودان الى جانب الشروط المعمول بها لدى وزارة التجارة و التموين و بقية الهيئات و المؤسسات الحكومية ذات الصلة و هو اذا بهذا التعريف المبسط نشاط مشروع للمئات من الشركات السودانية التي تنطبق عليها هذه الشروط و يمثل الصادر الى جانب الواردات احد جناحي التجارة الخارجية ( الصادرات + الواردات ), كما ان نشاط الصادر يعد من أهم و أبرز النشاطات الاقتصادية التي تحرص كل الدول على تفعيلها و زيادة حجمها الى اقصى ما يمكن و تأتي أهميته من كونه يعد من اهم الاعمدة التي يقف عليها بنيان ميزان المدفوعات او الميزان التجاري , و الميزان التجاري هو احد اهم المؤشرات التي يستند اليها في تقييم حالة الاقتصاد الكلي لاي بلد , فاذا كان حجم الصادرات لاي بلد اكبر من الواردات يعبر عنه بالفائض و كذا يعبر عنه بالعجز اذا كانت الواردات هي التي تتفوق على الصادرات , فائض ميزان المدفوعات او الميزان التجاري يؤشر الى قوة العملة في مقابل العملات الرئيسية الأخرى و يعتبر ايجابيا الى حدود معينة , و هذا يقودنا الى محور هذا المقال وهو عائد الصادر , فعائد الصادر اذا هو قيمة الصادرات التي يجب تحصيلها من المستورد ( خارج السودان) في تاريخ السداد بالعملة الأجنبية ( الدولار مثلا) عبر البنوك, فكلما زاد حجم الصادرات زاد معه عرض الدولار في بلد المصدر ( السودان) و كلما زاد عرض الدولار انخفض سعر صرفه في مقابل العملة المحلية ( الجنيه) فاذا انخفض سعر الدولار مقابل الجنيه سينعكس هذا إيجابا على أسعار السلع المستهلكة و المعمرة التي يتم استيرادها من الخارج و هكذا تدور عجلة الاقتصاد من هذه الزاوية لتكتسب الصادرات أهمية في صناعة العافية للاقتصاد القومي .
بموجب قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981 الفقرة (6) (لكل من يصدر بضاعة الى خارج السودان ان يسترد قيمتها بالنقد الأجنبي …….) وحصيلة الصادر هي حق مكتسب بطريقة مشروعة لصاحبها ولم تنص أي من نصوص القانون او اللوائح على التعدي عليها بالمصادرة او غيرها من العقوبات التي تمتد الى أصلها.
فرض بنك السودان قيودا إضافية على حصيلة الصادر تتعلق هذه القيود بالفترة الزمنية التي تبقى فيها الحصيلة في حساب المصدر و يخصصها لاستخداماته وفق اوليات الاستخدام التي يحددها البنك ضمن حزمة السياسات الاقتصادية الكلية فجعل فترة الاستخدام محددة بخمسة أيام كما جاء في منشور إدارة السياسات رقم (1/2022) بتاريخ 1/1/2022 ثم عدلها الى 30 يوما و أخيرا استقر به الحال على 21 يوما بحسب ما جاء في منشور ادارة السياسات بالرقم 1/2025 بتاريخ 21/1/2025 لكن منشورات بنك السودان في السنوات الأخيرة بما فيها منشوره الأخير تنص على ان يستولى البنك على حصائل الصادر و يدفع مقابلها بالعملة المحلية ( الجنيه ) للمصدر وفق سعر الصرف الرسمي في ثلاث حالات
1- إذا تجاوزت الحصيلة في حساب المصدر مهلة ال (21 يوما)
2- إذا تأخرت عن تاريخ تحصيلها من الخارج
3- وكان بنك السودان يسمح لنفسه بالاستيلاء على حصيلة الدفع المقدم بسعر الصرف الرسمي
مع العلم ان البنك المركزي والمصدرين وكل الشركاء في الوسط التجاري يعلمون ان السعر الرسمي المعلن يقل عن السعر الموازي بنحو 20% على الأقل، فاذا اخذنا في الاعتبار ان المصدر يحسب تكاليف صادراته وفق السعر الموازي لان البضائع المصدرة نفسها يتم شراؤها من سوق تتحكم فيه الية العرض والطلب أي السوق الحر والحال ينطبق على الأسعار في السوق العالمية، ولكي يتفادى خسارة ال 20% فانه يجد نفسه بين ثلاث خيارات
1- الخيار الأول ان يقوم باستخدام حصيلته خلال فترة السماح وهي ال (21 يوم) فيتحول مضطرا الي مستورد لاحد السلع الاستراتيجية او الضرورية التي حددتها منشورات البنك المركزي كأولوية وذلك حتى يتمكن من المحافظة على توازنه المالي ومركزه التجاري وهذا ما عليه الحال لعدد كبير من الشركات.
2- الخيار الثاني وهو ان يتخلف عمدا عن توريد الحصيلة في تاريخ الاستحقاق فيعرض نفسه لعقوبات البنك المركزي فيقوم البنك بحظر نشاطه في مجال الصادر و ربما حظر مزاولة جميع أنشطته التجارية ثم ملاحقته قانونيا و قد قام بنك السودان بالفعل خلال السنوات الأخيرة بحظر عدد كبير من الشركات التي لم تلتزم بتوريد حصيلة الصادر, ففي 25 /1/2018 تم حظر عدد 130 شركة و 48 شركة في12/9 /2020 م , ثم 98 شركة في 24/8/2022 م ثم 200 شركة في 9/3/2024 و أخيرا 157 شركة في 26/7/2024 م و في كل مرة يكرر البنك المركزي ذات العقوبة دون ان يغير في سياساته او ضوابطه و دون ان يلتفت الي الأسباب الحقيقة التي دعت المصدرين الي التخلف عن توريد الحصائل في مواعيد استحقاقها , تجدر الإشارة الي ان عمليات الصادر التي يتم تنفيذها بواسطة هؤلاء المصدرين المتخلفين عن توريد الحصيلة هي في الحقيقة تتم وفق إجراءات سليمة , تحديدا وفق عقود الصادر المعتمدة من قبل وزارة التجارة و التموين كما انها تتم وفق إجراءات الصادر الصادرة من بنك السودان ( استمارة الصادر الالكترونية EX) و تشارك في تكملة إجراءاتها كافة الجهات الحكومية المعنية بهذه الإجراءات مثل الجمارك و هيئة الموانئ البحرية و المواصفات و غيرها, اذا لا توجد أي شبهة تهريب كما جاء في المادة رقم (2) من قانون الجمارك لسنة 1986 تعديل 2010 , حتى بنك السودان نفسه لا يتعامل معها كونها حصائل متخلفة الا بعد ان تصبح فعلا صادرات قد اكتملت إجراءاتها بصورة سليمة .
3- الخيار الثالث وهو ان يترك المصدر نشاط الصادر نهائيا تجنبا للمخاطرة والمغامرة و لا اشك في ان عددا كبيرا من الشركات ذات الوزن الثقيل قد فضلت مغادرة دائرة الصادر عن المغامرة بالدخول فيه بسبب التعقيدات والعقبات التي تزداد يوما بعد يوم.
ضمن سياسته النقدية يحرص بنك السودان دائما على المحافظة على عرض كافي من العملات الصعبة عرضا يلبي كافة طلبات الاستيراد على الأقل بالقدر الذي يغطى حجما معقولا من السلع الاستراتيجية و الضرورية و بما يحافظ على سعر صرف متوازن للعملة المحلية و ما يتطلبه التحكم في معدل التضخم و ذلك عبر الجهد الذي يبذله في ملاحقة حصائل الصادر, لكن تركيز البنك على المعالجات الإجرائية و الشكلية و تركيزه على القانون دون روحه في راي ابعده عن الحلول الواقعية و العملية كما ان القيود و التعقيدات التي يفرضها البنك قد ظلت موجودة لسنوات مترافقة مع القيود المالية الخارجية الموجودة أصلا و المفروضة بواسطة الحكومة الامريكية و الاتحاد الأوربي على حركة المعاملات المالية الامر الذي جعل النتائج متشابهة و المشاكل متكررة بنفس الدرجة و الوتيرة و قد جاءت الحرب لتفرض ظرفا استثنائيا اضافيا يجعل من الضرورة بمكان ان يتبنى البنك المركزي سياسة نقدية جريئة تقودنا الي بر الأمان .
ما الضرر الذي يترتب على الاقتصاد القومي إذا ظلت حصائل الصادر في حساب المصدر لفترة مفتوحة او لنقل عدد 6 أشهر مثلا يستخدمها المصدر وفق شروط الاستخدام المحددة كأن يستورد بها سلعة استراتيجية او ضرورية او ان يتنازل عنها لمستورد اخر او ان يبيعها للبنك بدلا من محاصرته في فترة زمنية وجيزة (21 يوم).
ما الضرر الذي يترتب على الاقتصاد القومي إذا تبنى بنك السودان سعر صرف خاص ومرن لحصائل الصادر يقرب به الشقة بين الرسمي والموازي او تبني سعر صرف حقيقي يستند على اتجاهات قوى السوق بهدف تامين عوائد مجزية للمصدرين تمكنهم من المحافظة على موقفهم التنافسي في السوق العالمي بالتالي تشجيعهم على زيادة حجم صادراتهم والاستمرار في تبني المزيد من المبادرات مثل الاهتمام ببنية الصادر من صناعات تحولية وغرابيل ومصانع للتعبئة وفتح أسواق جديدة وكل ما يتعلق بترقية وتطوير الصادرات
من يطلع على أداء الميزان التجاري من خلال العرض الاقتصادي الذي يوفره بنك السودان على موقعه الرسمي خلال الفترة ما بين (1972-2022) يجد ان الواردات ضعفين ونصف الصادرات في المتوسط ما عدا 7 سنوات هي 1972- 1973 -2000-2007-2008-2010- 2011 وهذا يعني ان السودان بلد مستورد بالدرجة الأولى.
من المهم ان نستنتج حقيقة ان الصادرات لا تغطي اكثر من نصف الواردات لأكثر من أربعة عقود , فاذا علمنا ان البنك المركزي و عبر اجراءات الاستيراد يمنع استخدام طريقة الاستيراد بدون تحويل قيمة لان هذا النوع من الاستيراد في بعض الحالات به شبهة غسل الأموال و اذا اخذنا في الاعتبار ايضا ان تمويل عمليات الاستيراد بتسهيلات ائتمانية بالعملة الأجنبية ( الدولار مثلا ) للبضائع التجارية بواسطة ممول خارجي تعد مخاطرة كبيرة لطرفي المعاملة في ظل تدهور سعر صرف الجنيه السودان المستمر , فمن أي المصادر تتم عملية تغطية الواردات بهذا الحجم.
طبيعي ان تتم تغطية قيمة الواردات عبر وسائل الدفع المختلفة من الأصول الأجنبية المتوفرة لدى البنوك التجارية لكني اعتقد ان هنالك حجم معتبر من هذه الواردات لا تتم تغطيته من هذا المصدر و في راي ان غالبية الشركات المستوردة تستفيد من الأموال المتوفرة في الخارج لدى قطاع المغتربين وحصائل الصادر التي لم تورد في تاريخ استحقاقها او التي لم يحن تاريخ استحقاقها إضافة الي المتحصلات الأجنبية للبضائع التي تم تهريبها عبر المعابر التي تضعف او تنعدم فيها الرقابة مثل الحدود المفتوحة، فاذا كانت هذه هي مصادر تغطية قيمة الواردات فمن المؤكد ان جزء كبير من عائد الصادر المتخلف يذهب ليدور داخل قناة الحركة التجارية لكنه بالقطع خارج القنوات المصرفية و هذه مخالفة واضحة للقوانين و اللوائح المنظمة لإجراءات التجارة الخارجية خاصة جانب الاستيراد , و فيما يتعلق بحصائل الصادر المتخلفة في راي, صحيح هذه مخالفة واضحة لكن لا يجب النظر اليها من زاوية انها مخالفة يلاحق و يعاقب القانون مرتكبها بمعزل عن الدوافع التي اضطرت هؤلاء المصدرين الي التخلف عمدا عن توريدها كما يجب الاخذ في الاعتبار ان نشاط التجارة الخارجية بشقيه الصادر و الوارد يتم في ظروف اقتصادية داخلية و خارجية معقدة و في ظل حصار اقتصادي مالي مستحكم ظل مطبقا على البلاد لأكثر من عقدين من الزمان تمكن هؤلاء المستوردون في هذه الظروف من تجاوز الكثير من العقبات و التعقيدات و ساهموا في خلق عرض متوازن لجميع السلع الاستراتيجية و الضرورية كما حافظ المصدرون هم الاخرون على تنافسية الصادرات السودانية في السوق العالمي بحيث غدت كل الصادرات من الحبوب الزيتية و اللحوم و غيرها تنساب الي السوق العالمي دون عوائق .
والحرب تسير الي نهايتها بعون الله وحمده وان قافلة السلام تتبعها قافلة التعمير قد انطلقتا بالفعل غير انهما يفرضان تحديات ضخمة لا تقل عن تحديات المعركة العسكرية.
سينشأ طلب جامح على كافة السلع خاصة الرأسمالية وهذا الطلب بدوره يعتبر طلب مشتق من الطلب على الاستيراد لان معظم هذه السلع غير متاحة محليا بالتالي سينشأ كذلك طلب مصاحب على العملة الأجنبية (الدولار مثلا) مما يتطلب حلولا استثنائية وجريئة و عاجلة تكون بحجم هذه التحديات و تواكب هذا الطلب الجامح على العملة الصعبة و الا سيبلغ سعر صرف الجنيه مقابل الدولار مثلا أرقاما قياسية و سيحدث اختلال كبير في ميزان المدفوعات يصاحبه انفلات غير مسبوق في معدلات التضخم الامر الذي سيعيق حتما قافلة السلام و التعمير .
مع هذه التحديات الاقتصادية وما يخص التعامل مع حصائل الصادر تصبح الحاجة ملحة لتحديث السياسات والضوابط السارية بما يمكن من تجاوز هذه التحديات وبما يعزز مكانة نشاط الصادر باعتباره نشاطا ذا أولوية خاصة وانه المعني بتوفير احتياطات مناسبة من العملة الأجنبية وهو الذي بالتالي يقود الي الاستقرار النقدي والابتعاد قدر الإمكان عن القيود الشكلية خاصة تلك التي تمت تجربتها من قبل وانتهت صلاحيتها
خبير تجـــــــارة خــارجيـــــــــــــــــــــة
نواصل



