مقالات

كلمة حق: خليل فتحي خليل :الكهرباء في النيل الأبيض.. لعب في لعب

العلا برس

 

الكهرباء في النيل الأبيض.. «لعب في لعب».. والتيار المتردد يدفع المواطن الثمن
في ولاية النيل الأبيض، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة من الخدمات الأساسية التي ينتظرها المواطن في منزله أو متجره أو مكان عمله، بل أصبحت قضية يومية مفتوحة على القلق والخسائر والأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة.
المواطن يستيقظ على انقطاع التيار، وينتظر عودته، ثم ما يلبث أن يعود حتى يدخل في دائرة جديدة من القلق: هل سيستمر التيار؟ هل سيكون مستقراً؟ هل ستنجو الأجهزة الكهربائية من التذبذب؟ أم أن عودة الكهرباء نفسها ستتحول إلى بداية لخسارة جديدة؟
إنها حكاية تيار متردد… وخدمات متردية… ومواطن أنهكه الانتظار.
أين الحقيقة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا تنقطع الكهرباء فقط؟
بل السؤال الأكبر:
لماذا تتكرر الأعطال؟ ولماذا تستغرق المعالجات كل هذا الوقت؟ ولماذا لا يجد المواطن تفسيراً واضحاً ومقنعاً لما يحدث؟
في عدد من أحياء النيل الأبيض، أصبحت الأعطال وانقطاع التيار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. محولات تتعرض للاحتراق، وأعطال في الشبكات، وانقطاعات متكررة، وفترات انتظار طويلة قبل عودة الخدمة إلى طبيعتها.
وحتى عندما تتم أعمال الصيانة أو استبدال المحول، فإن المواطن يجد نفسه أمام سؤال آخر:
إلى متى ستصمد المعالجة الجديدة؟
لأن القضية ليست في إصلاح العطل الحالي فقط، وإنما في معالجة الأسباب التي تجعل العطل يعود مرة أخرى.
المواطن يدفع الفاتورة مرتين
المواطن يدفع قيمة الكهرباء، ثم يدفع فاتورة أخرى عندما تتضرر أجهزته الكهربائية بسبب عدم استقرار التيار، بحسب ما يشكو منه مواطنون.
ثلاجة تتعطل، جهاز تلفاز يتوقف، موتور مياه يتضرر، مروحة تحترق، شاحن هاتف أو جهاز كهربائي صغير يصبح فجأة قطعة بلا فائدة.
وفي بيت محدود الدخل، فإن تعطل جهاز كهربائي ليس أمراً بسيطاً.
إنه مصروف إضافي لم يكن في الحسبان.
وقد تحتاج الأسرة إلى أيام أو أسابيع حتى تتمكن من توفير تكلفة الإصلاح أو شراء جهاز بديل.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
من يتحمل خسائر المواطن عندما تتكرر مشكلات التيار الكهربائي؟
نحن لا نضع اتهاماً على جهة بعينها، ولكننا نطالب بتفسير واضح، وبمعلومات فنية مسؤولة، وبآلية معلنة للتعامل مع شكاوى المواطنين الذين تتضرر أجهزتهم.
احتراق المحولات.. المشكلة التي تتكرر
من أكثر المشاهد التي تثير القلق لدى المواطنين احتراق المحولات الرئيسية في بعض الأحياء.
عندما يحترق المحول، لا ينقطع التيار عن منزل واحد أو اثنين، بل تتأثر منطقة كاملة، وتتوقف مصالح المواطنين، وتتضرر المحال التجارية والورش والمخابز والخدمات المختلفة.
ثم تبدأ رحلة البحث عن الحل.
اتصالات، شكاوى، انتظار، ووعود بالصيانة أو الاستبدال.
وقد تطول فترة الانتظار بحسب توفر المحول وقطع الغيار والإمكانات الفنية واللوجستية.
وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا التي يجب أن تكون على طاولة النقاش:
هل توجد مخزونات كافية من المحولات وقطع الغيار الضرورية للتدخل السريع عند حدوث الأعطال؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا تطول بعض فترات المعالجة؟
وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا لا يتم وضع مخزون استراتيجي من القطع الأكثر احتياجاً؟
لا نريد مسكنات
المواطن لا يريد حلولاً مؤقتة.
لا يريد أن يتم إصلاح المحول اليوم ثم ينتظر العطل القادم بعد فترة قصيرة.
لا يريد أن يسمع كل مرة عبارة: «جاري العمل على الإصلاح».
المواطن يريد حلاً مستداماً.
يريد شبكة كهرباء يتم التعامل معها بمنطق التخطيط والصيانة الوقائية، وليس بمنطق الانتظار حتى يحدث العطل ثم التحرك بعد وقوع المشكلة.
الفرق كبير بين أن تكون الصيانة وقائية وأن تكون رد فعل.
الصيانة الوقائية تعني أن يتم فحص المحولات والخطوط والشبكات بصورة منتظمة، ومعرفة نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى كارثة.
أما الانتظار حتى يحترق المحول ثم البحث عن البديل، فهو يجعل المواطن يدفع ثمن التأخير.
أين إدارة الأزمة؟
نحن بحاجة إلى إدارة كهرباء تتحدث مع المواطن.
ليس بالضرورة أن تكون كل الأعطال سهلة الحل، فالجميع يعلم أن قطاع الكهرباء قطاع معقد، وأنه يحتاج إلى معدات وقطع غيار ووقود وتمويل وكوادر فنية وإمداد مستمر.
لكن المواطن من حقه أن يعرف.
إذا كان العطل بسبب محول، فليُعلن ذلك.
إذا كان السبب في الشبكة، فليُشرح الأمر.
إذا كانت هناك مشكلة في قطع الغيار، فليعرف المواطن الحقيقة.
إذا كانت هناك تحديات مالية أو لوجستية، فليتم توضيحها للرأي العام.
الشفافية لا تعيد التيار وحدها، لكنها تعيد الثقة.
وغياب المعلومة يفتح الباب أمام الشائعات والتفسيرات المختلفة.
أين الخطة؟
السؤال الأكبر الذي نبحث عنه في هذا المقال:
هل توجد خطة واضحة لمعالجة أزمة الكهرباء في ولاية النيل الأبيض على المدى القصير والمتوسط والطويل؟
نريد أن نعرف:
كم عدد المحولات التي تحتاج إلى إحلال؟
كم عدد المحولات الموجودة في المخازن؟
كم حجم الاحتياج من قطع الغيار؟
ما متوسط الزمن المطلوب لإصلاح العطل؟
ما خطة الصيانة الوقائية؟
كيف يتم التعامل مع الأحمال الزائدة؟
هل هناك خطة لتأهيل الشبكات القديمة؟
وهل توجد آلية لرصد التذبذب في التيار وحماية الشبكة والأجهزة المنزلية؟
هذه ليست أسئلة للجدل.
إنها أسئلة مواطن يريد خدمة مستقرة.
«المواطن غلبه الصبر»
وصل المواطن إلى مرحلة لم يعد فيها يحتمل المزيد من الانتظار.
الكهرباء ليست رفاهية.
هي مياه تُضخ إلى المنازل.
وهي غذاء يحتاج إلى تبريد.
وهي دواء يحتاج إلى حفظ في درجات حرارة مناسبة.
وهي طالب يذاكر ليلاً.
وهي صاحب متجر يحاول المحافظة على بضاعته.
وهي ورشة تعمل من أجل رزق أصحابها.
وهي مستشفى ومركز صحي ومؤسسة تعليمية ومصلحة حكومية.
عندما تنقطع الكهرباء، تتعطل سلسلة كاملة من الحياة.
ولهذا فإن الحديث عن الكهرباء يجب ألا يُختزل في عبارة «انقطاع التيار».
القضية أكبر من ذلك بكثير.
من حق المواطن أن يسأل
من حق المواطن أن يسأل إدارة الكهرباء:
لماذا تتكرر الأعطال؟
لماذا تحترق بعض المحولات بصورة متكررة؟
كم يستغرق إصلاح العطل؟
هل توجد قطع غيار كافية؟
هل توجد محولات احتياطية؟
هل هناك برنامج صيانة وقائية؟
ما الإجراءات المتخذة لحماية الشبكة من الأحمال الزائدة؟
وماذا عن الأجهزة التي تتضرر نتيجة مشكلات التيار؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة إدانة أحد.
بل تعني أن المواطن يريد أن يفهم.
ويريد أن يشعر أن هناك جهة تتابع وتخطط وتراقب وتعمل من أجل استقرار الخدمة.
الكهرباء والتنمية وجهان لعملة واحدة
لا يمكن أن نتحدث عن الاستثمار في النيل الأبيض دون أن نتحدث عن الكهرباء.
ولا يمكن أن نتحدث عن تشغيل المصانع والورش والمشروعات الصغيرة دون كهرباء مستقرة.
ولا يمكن أن نطلب من الشباب إقامة مشروعات إنتاجية بينما الكهرباء نفسها تمثل تحدياً يومياً أمام أصحاب المشروعات.
الكهرباء هي أساس من أسس التنمية.
كل ساعة انقطاع قد تعني خسارة لمصنع، أو ورشة، أو متجر، أو مشروع صغير.
وكل تذبذب قد يحمل معه خسائر إضافية.
لذلك فإن استقرار الكهرباء ليس ملفاً خدمياً فقط.
إنه ملف اقتصادي واجتماعي وتنموي.
نريد حلولاً لا بيانات
المرحلة القادمة تحتاج إلى شيء مختلف.
نحتاج إلى خطة معلنة.
نحتاج إلى جدول للصيانة.
نحتاج إلى توفير قطع الغيار الأساسية.
نحتاج إلى محولات احتياطية للطوارئ.
نحتاج إلى آلية استجابة سريعة للأعطال الكبيرة.
نحتاج إلى تواصل مباشر مع المواطنين.
ونحتاج إلى تقييم مستمر لأداء الشبكة.
الأهم من ذلك كله:
نحتاج إلى الانتقال من سياسة معالجة العطل إلى سياسة منع العطل قبل وقوعه، كلما كان ذلك فنياً وإمكانياً ممكناً.
كلمة أخيرة
أنا لا أكتب هذا المقال بحثاً عن خصومة مع إدارة الكهرباء، ولا رغبة في تحميل العاملين فوق طاقتهم.
أنا أكتب لأن المواطن يتحدث.
وأكتب لأن شكاوى الكهرباء أصبحت جزءاً من الحديث اليومي في الأحياء والأسواق ومواقع العمل.
وأكتب لأن المواطن يحتاج إلى من يسمع صوته.
الكهرباء في النيل الأبيض ليست مجرد مفتاح نضغط عليه فيضيء المصباح.
إنها حياة كاملة.
وعندما تصبح الكهرباء غير مستقرة، تصبح حياة المواطن نفسها معلقة على عودة التيار.
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس مزيداً من المسكنات، وإنما حلولاً جذرية، وخطة واضحة، ومعلومة صادقة، واستجابة سريعة، وصيانة مستمرة.
وإذا كانت هناك تحديات حقيقية تواجه قطاع الكهرباء، فليتم وضعها أمام المواطن بكل وضوح.
فالناس تستطيع أن تتحمل الصعب عندما تعرف الحقيقة.
لكنها تجد صعوبة في تحمل الانقطاع والانتظار والصمت في الوقت نفسه.
النيل الأبيض تستحق كهرباء مستقرة، والمواطن يستحق خدمة تحفظ ماله ووقته وكرامته.
وهنا أضع قلمي، لا لأغلق الملف، وإنما لأفتح باب الأسئلة:
متى تنتهي أزمة الكهرباء في أحياء النيل الأبيض؟
ومتى تتحول المعالجات من ردود أفعال إلى خطة مستدامة؟
ومتى يسمع المواطن إجابة واضحة عن أسباب الأعطال المتكررة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى