
ليت الزمن يعود… ويعود معه صفير القاطرات وهي تشق السكون في فجر المدن السودانية، تنثر الدخان على مسافات من الشوق، وتغزل من الحديد والحنين خيوط الرحلة القديمة بين الأهل والديار. كان السفر بالقطار حدثًا في حد ذاته، طقسًا اجتماعياً، ومشهداً من ذاكرة وطنية نقيّة تحفظها الذاكرة السودانية كما تحفظ الأم رائحة طفلها الأول.
في تلك الأيام، لم يكن القطار وسيلة نقل فحسب، بل كان سيرةً من دفء القلوب. عند المحطات، كانت النسوة يلوحن بالمنديل الأبيض، والأطفال يجرون بمحاذاة العربات، والباعة يحملون الشاي و”الزلابية” و”اللقيمات” في أطباق صغيرة تفوح منها روائح البهجة. كان صوت صفارته الأولى يعلن بداية الرحلة الكبرى، رحلة تتقاطع فيها الجغرافيا بالعاطفة، والحنين بالمكان.
كان المسافر يجد في مقعد القطار حكايات الناس، يجاوره جندي عائد من الجبهة، ومعلم ذاهب إلى مدرسة نائية، وطالب يحمل دفاتره في حقيبة جلدية، وامرأة تهمس بالأدعية وهي تمسك بمسبحتها… كان القطار يختصر الوطن في عرباته، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وكانت “السكة حديد” رمزاً للربط والتواصل، توصل المدن بالقرى، وتربط الناس بالناس، والقلوب بالقلوب.
كم من حكاية وُلدت بين أصوات الحديد على القضبان! كم من رسالة حبّ وصلت على وقع العجلات وهي تطرق أبواب الغياب! وكم من دمعة وداعٍ جفّت على رصيف المحطات، لتعود بعد أعوام مع أول صفارة عودة. كانت السكة حديد شاهدة على تحول الزمان، على أفراح الناس وأتراحهم، على البدايات والنهايات، على لقاءات تختصر عمراً كاملاً في لحظة توقف القطار.
اليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، يتسلل الحنين كنسمة من نافذة قطار غائب. أين ذلك الزمن الذي كانت فيه القطارات تضبط ساعات المدن؟ أين تلك الهمة التي جعلت من السكة حديد شرياناً نابضاً في جسد الوطن؟ إننا نحلم أن تعود من جديد، تعود كما كانت… لا كقطار من حديد فقط، بل كرمزٍ لعزيمةٍ وهمةٍ وارتباطٍ وطني لا يصدأ.
نريد أن نسمع مجدداً صفيرها في ليالي الشتاء، وأن نشاهد محطاتنا وهي تنبض بالحياة، وأن نرى الأعلام ترفرف على القاطرات العابرة للأقاليم. نريد أن نعيد إلى أطفالنا دهشة المشهد حين يلوّح القطار مودعاً، وأن نغرس فيهم حبّ الوطن من خلال قضبانه التي كانت توصل الحلم بالفعل، والنية بالإنجاز.
فلتهبّ رياح الإصلاح لتعيد إلى “السكة حديد” مجدها القديم، ولتكن عودة القطارات عودة للحياة، للماضي الجميل، وللوطن الذي ينهض على سكة من الإصرار.
ليتها تعود… كما كانت، رمزاً للانضباط، والعطاء، والوحدة، ومجرد ذكرها كافٍ لأن يبتسم القلب ويقول:
ما أجمل ذاك الزمن… وما أصدق الأمل في أن يعود



