
في خطوة لافتة، أصدر بنك السودان المركزي قرارًا برفع سقوفات التمويل الأصغر والصغير لعدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، مع استحداث نوافذ تمويلية جديدة تستهدف الصادرات وإعادة التأهيل. القرار في ظاهره يحمل ملامح دعم اقتصادي مباشر، لكنه في جوهره يثير تساؤلات أعمق حول الجدوى الحقيقية في ظل واقع اقتصادي معقد.
من حيث المبدأ، فإن رفع سقوفات التمويل يُعد أداة تقليدية لتحفيز الإنتاج، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الزراعة والنقل والحرف. فزيادة التمويل للقطاع الزراعي (نباتي وحيواني) تعكس إدراكًا رسميًا لأهمية هذا القطاع كقاطرة محتملة للاقتصاد، لا سيما في بلد يمتلك موارد طبيعية ضخمة غير مستغلة بالكامل. كما أن تخصيص سقوفات أعلى لتمويل الصادرات الحيوانية والزراعية يمثل توجهًا إيجابيًا نحو تعزيز الإيرادات من النقد الأجنبي، وهو ما يحتاجه السودان بشدة.
لكن، وعلى الرغم من هذه الإشارات الإيجابية، فإن السؤال المحوري يظل قائمًا: هل المشكلة في نقص التمويل أم في بيئة الإنتاج نفسها؟
الحقيقة أن التحديات التي تواجه القطاعات الإنتاجية في السودان تتجاوز حدود التمويل. فضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وانعدام الاستقرار الأمني في بعض المناطق، فضلًا عن التقلبات الحادة في سعر الصرف، كلها عوامل قد تبتلع أي زيادة في التمويل دون أن تترجم إلى إنتاج حقيقي أو نمو مستدام.
ثم إن اشتراط “الضمانات الكافية” للحصول على التمويل يضع قيدًا عمليًا أمام شريحة واسعة من صغار المنتجين، الذين يُفترض أن يستهدفهم هذا القرار أساسًا. فكيف يمكن لمزارع صغير أو حرفي بسيط أن يقدم ضمانات مصرفية في اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الشمول المالي؟
من زاوية أخرى، فإن رفع سقف التمويل إلى 30 مليون جنيه للتمويل الصغير قد يبدو رقمًا كبيرًا نظريًا، لكنه في ظل معدلات التضخم المرتفعة قد لا يمثل سوى زيادة اسمية لا تعكس قوة شرائية حقيقية، ما يقلل من الأثر المتوقع لهذا القرار.
أما استحداث تمويل لإعادة تأهيل المأوى، فهو يعكس بوضوح أثر الحرب والأزمات الإنسانية على الاقتصاد، ويُحسب للبنك المركزي إدراكه لضرورة ربط التمويل بالأبعاد الاجتماعية، لكن هذا النوع من التمويل يحتاج إلى تنسيق أكبر مع سياسات الإسكان والدعم الحكومي حتى لا يتحول إلى عبء ديون إضافي على المواطنين.
خلاصة القول، إن قرار بنك السودان المركزي برفع سقوفات التمويل يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث الشكل، لكنه قد يظل محدود الأثر ما لم يُصاحب بإصلاحات هيكلية أوسع تشمل تحسين بيئة الأعمال، وتثبيت الاقتصاد الكلي، وتوسيع قاعدة الشمول المالي، وتبسيط شروط الحصول على التمويل فالاقتصاد لا يبني بالتمويل وحده ويبقي فاعلا اذا جاء ضمن منظومة متكاملة فالتمويل اداة لا اكثر ….



