
حين يصل إليك كتاب يحمل عبق المكان وذاكرة الناس، فإنك لا تقرأ مجرد صفحات، بل تعيش زمناً كاملاً بين سطور التاريخ. هذا ما شعرت به تماماً عندما أهداني الدكتور نصر الدين شلقامي نسخة موقعة بخط يده من الطبعة الثانية لكتابه القيّم كوستي القصة والتاريخ.
كانت هدية معرفية جميلة رافقتني طوال أيام شهر رمضان المبارك، حيث وجدت نفسي أتنقل بين صفحات الكتاب بشغف كبير، وكأنني أسير في شوارع مدينة كوستي نفسها، أستمع إلى حكاياتها القديمة، وأتأمل تحولات تاريخها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
الكتاب في نسخته الثانية جاء أنيقاً في إخراجه، متماسكاً في طرحه، غنياً بالمعلومات والوثائق، ويعكس جهداً بحثياً واضحاً من مؤلفه. فقد حرص الدكتور نصر الدين شلقامي على أن يقدم عملاً توثيقياً شاملاً يرصد ملامح المدينة منذ نشأتها، ويتناول تطورها عبر الحقب المختلفة، مستعرضاً دورها التجاري والثقافي والاجتماعي في منطقة النيل الأبيض وفي السودان عامة.
ما يميز هذا الكتاب أنه لا يتوقف عند حدود السرد التاريخي الجاف، بل يمضي إلى رسم صورة متكاملة لروح المدينة، ناسها، أسواقها، أنديتها، مدارسها، وشخصياتها التي صنعت ملامح الحياة فيها. ولذلك يشعر القارئ وهو يتصفح الكتاب أن كوستي ليست مجرد مدينة على ضفاف النيل، بل حكاية وطن مصغّر، تختزن في ذاكرتها قصص الناس والعمل والتجارة والثقافة.
كما أن الكتاب وثّق لكثير من المحطات المهمة التي مرّت بها المدينة، وسلّط الضوء على أدوارها في الحركة الاقتصادية والنقل النهري والسكك الحديدية، إلى جانب توثيقه للحياة الاجتماعية التي صنعت خصوصية كوستي وتميزها.
لقد أسعدتني قراءة هذا العمل طوال ليالي رمضان، لما يحمله من قيمة معرفية وتاريخية، ولما يمثله من جهد صادق في حفظ ذاكرة مدينة عزيزة على قلوب أهلها وعلى قلوب كل السودانيين.
ختاماً، لا يسعني إلا أن أحيي الدكتور نصر الدين شلقامي على هذا الجهد الكبير، وعلى هذا العمل الذي يعد إضافة حقيقية للمكتبة السودانية، كما أتمنى أن يجد الكتاب طريقه إلى كل قارئ مهتم بتاريخ المدن السودانية وتوثيق سيرتها.
فالتاريخ حين يُكتب بإخلاص، يصبح جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويحفظ للأجيال القادمة ملامح المكان والإنسان. وكتاب “كوستي القصة والتاريخ” واحد من تلك الأعمال التي تؤدي هذا الدور النبيل بجدارة.



