
في حرب السودان لم تكن البنادق وحدها هي التي أدمت الوطن، بل كانت هناك طعنات أقسى وأوجع، جاءت من حيث لا نتوقع… من الجار.
ذلك الذي تقاسم معنا الماء والملح، وضحك معنا في الأفراح، وتعزّى معنا في الأحزان، فإذا به ساعة المحنة يتحول إلى عينٍ ترصد، ولسانٍ يدل، ويدٍ تسرق، وقلبٍ بلا رحمة.
لقد كشفت هذه الحرب، بلا مواربة، عن حقدٍ طبقيٍّ مكتوم ظلّ ساكنًا تحت الرماد سنوات طويلة. حقدٌ غذّته الفوارق، وسقته الشائعات، وأيقظته الفوضى. ومع أول ارتباك للأمن، خرج هذا الحقد عاريًا، بلا خجل ولا خوف.
في كثير من المدن والأرياف، لم يكن الخطر فقط في المليشيا التي اقتحمت البيوت، بل في الجار الذي دلّها على البيوت:
بيت فلان فيه ذهب…
بيت علان أهله غادروا…
هذه الأسرة “مستورة”…
تلك “مقتدرة”…
تحولت الأحياء إلى خرائط خيانة، وتحوّل بعض الجيران إلى مخبرين، لا بدافع الإكراه وحده، بل أحيانًا بدافع الطمع، أو الانتقام الاجتماعي، أو الشعور الزائف بأن هذه الحرب فرصة “لتسوية الحسابات”.
حين يسقط السور الأخلاقي
ما حدث ليس سرقة ممتلكات فحسب، بل انهيار لقيم الجيرة التي شكّلت أحد أعمدة المجتمع السوداني عبر تاريخه.
الجيرة في السودان لم تكن مجرد قرب جغرافي، بل عقدًا أخلاقيًا غير مكتوب:
“جارك قبل دارك”.
لكن الحرب كسرت هذا العقد عند البعض.
رأينا بيوتًا نُهبت بعد أن فُتحت أبوابها بالمفاتيح التي كانت محفوظة “أمانة” عند الجيران.
رأينا ممتلكات تُباع في وضح النهار، والعار يمر أمام الناس دون أن يوقفه أحد.
خيانة بلا أعذار
قد يحاول البعض تبرير ذلك بالجوع أو الخوف أو الفوضى، لكن الحقيقة المرة أن الخيانة خيار، وليست قدرًا.
الجوع لا يبرر الوشاية،
والخوف لا يبرر الدلالة على الجيران،
والفقر لا يبرر التشفي.
لقد صمد كثيرون رغم الجوع والخطر، وحموا بيوت غيرهم، وخبّأوا ممتلكات جيرانهم، ورفضوا أن يكونوا جزءًا من الخراب.
وهؤلاء هم الوجه الآخر للسودان… الوجه الذي يجب أن نرفعه عاليًا.
أثر لا يُمحى
خيانة الجار لا تنتهي بانتهاء الحرب.
آثارها ستبقى لسنوات:
في انعدام الثقة داخل الأحياء
في تفكك النسيج الاجتماعي
في نظرة الشك التي ستسكن العيون
كيف ستعود الحياة الطبيعية، والجار يعرف أنه خان، والمخون يعرف من خانه؟
كيف سنعيد بناء البيوت، إذا كانت القلوب ما زالت مهدمة؟
سؤال نبض الناس
هذا العمود لا يكتب للاتهام الأعمى، بل لفتح النقاش الصريح:
كيف نعالج هذا الشرخ الأخلاقي؟
هل نملك شجاعة الاعتراف بما حدث داخل مجتمعاتنا؟
كيف نعيد تعريف الجيرة بعد الحرب؟
السودان لن يُبنى بالإسمنت وحده، بل بإعادة بناء القيم.
وأصعب ما نحتاج لترميمه اليوم ليس الطرق ولا الجسور، بل الضمير.
لأن الرصاصة قد تقتل جسدًا،
لكن خيانة الجار تقتل وطنًا كاملًا.


