مقالات

وفرة الوقود وغلاء الأسعار بقلم: د. حسب الرسول محمد سعد

العلا برس

وفرة الوقود وغلاء الأسعار
بقلم: د. حسب الرسول محمد سعد
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة عالميًا، يواجه السودان واقعًا معقدًا في قطاع الوقود، تتداخل فيه العوامل المحلية مع تأثيرات خارجية متصاعدة، على رأسها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما يرتبط بها من تداعيات على أسعار النفط العالمية.
في هذا السياق، جاء بيان وزارة الطاقة السودانية ليقدم قراءة تفسيرية للوضع الراهن، مؤكدًا أن دور الدولة في قطاع الوقود بات يتركز في الإطار التنظيمي والرقابي منذ تطبيق سياسة تحرير الأسعار في عام 2021، وهو ما ربط السوق المحلي بشكل مباشر بالتقلبات العالمية.
وعلى الرغم من تكدس عدد من البواخر في محيط الموانئ، وهو ما يعكس وفرة نسبية في الإمدادات، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الوقود، بل في ارتفاع تكلفته. فالسوق السوداني، في ظل سياسة التحرير، أصبح أكثر حساسية لأي تغيرات في الأسعار العالمية، التي تشهد بدورها موجة ارتفاعات مدفوعة بالتوترات المرتبطة بإيران.
ولا يمكن تفسير هذا الغلاء بعامل واحد، بل هو نتيجة حزمة من الأسباب المتداخلة؛ في مقدمتها الارتباط المباشر بالسوق العالمي، وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحري في ظل الاضطرابات الإقليمية، إلى جانب تأثيرات سعر الصرف، حيث يتم استيراد الوقود بالدولار، ما يجعل أي تراجع في قيمة العملة المحلية ينعكس فورًا على الأسعار. كما تلعب التكاليف التشغيلية الداخلية، من نقل وتخزين وهوامش أرباح، دورًا إضافيًا في رفع السعر النهائي.
هذا الواقع يضع الاقتصاد السوداني أمام معادلة صعبة: وفرة في الإمداد تقابلها تكلفة مرتفعة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار النقل والإنتاج، ومن ثم على مجمل النشاط الاقتصادي ومعيشة المواطنين.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد، إذ يرى مراقبون أن تعقيدات سوق الوقود تمتد إلى طبيعة التفاعلات داخل السوق نفسه. وتشير بعض التقديرات إلى وجود محاولات من قبل بعض الموردين للتأثير على مسارات اتخاذ القرار ، بما قد يسهم في تطويع بعض السياسات أو الإجراءات بما يخدم مصالحها.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات جوهرية حول كفاءة الأطر التنظيمية، ومدى قدرتها على ضبط إيقاع السوق وتحقيق التوازن بين مختلف الفاعلين، بما يضمن عدالة المنافسة ويحد من أي ممارسات قد تؤثر على استقرار القطاع.
في المحصلة، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل في تأمين الإمدادات فحسب، بل في إدارة هذه الإمدادات ضمن سياق عالمي مضطرب، مع ضرورة تعزيز الشفافية والحوكمة داخل السوق المحلي. فبناء قطاع طاقة مستقر ومرن يتطلب توازنًا دقيقًا بين الانفتاح على السوق العالمي، وحماية المصالح الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى