مقالات

مرور ثلاث سنوات على الحرب في السودان: جرحٌ إنساني مفتوح (1-4) بقلم: د. حسبو حران

العلا برس

 

ليست هذه مجرد كلمات نخطّها، بل نبضٌ مختنق في صدور الملايين، ووثيقة نودعها ذاكرة الأجيال القادمة؛ ليعلموا ماذا حلّ بأرض النيلين حين غاب صوت العقل وارتفع أزيز الرصاص. اليوم، ونحن نطوي العام الثالث من هذه الحرب الضروس، لم نعد نحسب الزمن بالساعات، بل بدموع الأمهات وبأحلام الأطفال التي سُحقت تحت الركام.
انطلقت شرارة هذه المحنة في منتصف شهر أبريل من العام 2023م، وفي العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم؛ حين كان السودانيون يتحرون ليلة القدر، فإذا بهم يواجهون غدراً لم يسبق له مثيل. بدأت المأساة من العاصمة الخرطوم كأول حرب من نوعها في تاريخ السودان من حيث منسوب الحقد، والدمار الممنهج، والنهب، والاغتصاب. شملت الانتهاكات “قتل الأطفال وكبار السن، والاختطاف، والمصير المجهول الذي لا يزال يلاحق الكثيرين، بل وصل الأمر إلى فاجعة سبي النساء ونقلهن قسراً بين المناطق” في ظل تحركات المليشيات وانسحابها من العاصمة نحو دارفور؛ حيث أنجبت بعضهن أطفالاً في ظل تلك الوحشية والظروف القاسية، في قصص تدمي القلوب وتتجاوز حدود الوصف.
إن توثيق أهوال هذه الحرب يحتاج بلا شك إلى مجلدات وكتب ضخمة، وقد شرع بالفعل عدد من الكتاب والباحثين في إصدار مؤلفات ترصد هذا الزلزال، لكننا هنا نحاول تناولها بإيجاز عبر هذه السلسلة من المقالات، لنضع القارئ أمام أبعاد المأساة في أربعة محاور:
المحور الإنساني.. “حينما يصبح الوجع وطناً”
في قلب هذه المأساة، ظلّ الإنسان السوداني هو العنوان الأكبر. نكتب للأجيال عن أسرٍ كانت تنبض بالحياة، فأصبحت فجأة مشرّدة تفرّ من بطش مجموعات متمردة تجردت من كل وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني.
توثيق الجريمة: تفردت هذه الحرب بظاهرة “سادية”؛ حيث عمد المتمردون إلى توثيق جرائمهم بالصورة والصوت، والتباهي بالقتل والنهب. واستخدموا “الكاميرا” كأداة ترويع نفسي تهدف إلى إفراغ البلاد من سكانها وتحويل بيوتهم إلى ثكنات عسكرية.
جغرافيا الشتات: امتدت المأساة لتشمل غالبية ولايات السودان في الوسط والغرب والجنوب، بينما ظلت ولايات الشرق والشمال ملاذاً آمناً للفارين من جحيم الموت.
معادن الرجال: رغم هذا القبح، كشفت المحنة عن معادن لا تصدأ؛ حيث تجلى صمود الشعب في “النفير” والتكافل، والدعم السخي من المغتربين ورجال المال والأعمال.
المرأة السودانية حارسة البقاء: برزت المرأة كحارسة للتماسك الاجتماعي وسط الانهيار؛ إذ تولت زمام الأمور وقامت بالدورين معاً في تربية الأطفال ومتابعة تعليمهم في مناطق النزوح، وتوفير العلاج والإرشاد. جاء ذلك في ظل غياب الرجل؛ إما استشهاداً دفاعاً عن العرض والأرض، أو انخراطاً في صفوف المستنفرين، أو بسبب الكفاح المرير داخل وخارج البلاد لتوفير لقمة العيش ودعم الأسر، خصوصاً مع الارتفاع الجنوني لتكاليف المعيشة وعبء الإيجارات في مناطق اللجوء والنزوح. بل هاجرت بعض الاسره خارج البلاد في ظل بقاء الرجل داخل السودان يواجه الأمرين البعاد عن الاسره ومواجهة المخاطر في خطوة تعكس الايثار على النفس أعلى درجات السخاء.
في المحور القادم.. نتناول الاثر الاقتصادي: “حرب التجريف وإحراق مقدرات الوطن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى