
للمسؤولين، ولمن يمسكون بالقلم في السودان…
إن أردتم أن تروا وطناً يتعافى، فانظروا أولاً إلى فنونه.
ليس ترفاً أن نتحدث عن الفنون في زمن الأزمات، بل هو عين الحكمة. فحين تتكاثر الجراح، وتضيق مساحات الأمل، تصبح الفنون هي اللغة الوحيدة القادرة على تضميد ما عجزت عنه السياسة، وعلى إعادة ترتيب الوجدان الجمعي لشعبٍ أنهكته التحولات والتحديات.
الفنون ليست مجرد أغانٍ تُغنّى، ولا لوحات تُعلّق، ولا مسارح تُضاء. الفنون هي روح المجتمع حين تتكلم، وهي مرآته حين ينسى ملامحه. في كل ولاية سودانية، في الشمال والجنوب، في الشرق والغرب، هناك حكايات تنتظر من يصوغها فناً، وهناك وجدان حي يحتاج لمن يوقظه.
حين يغيب الاهتمام بالفنون، لا نخسر الجمال فقط، بل نخسر جزءاً من إنسانيتنا. نخسر القدرة على التعبير، وعلى الحلم، وعلى تجاوز الألم. الفنون تُهذّب السلوك، تُعزّز الانتماء، وتخلق مساحات مشتركة بين الناس، حيث لا مكان للفرقة ولا للصراع.
انظروا إلى المجتمعات التي تعافت من الحروب والنزاعات… ستجدون أن أول ما عاد فيها لم يكن السياسة ولا الاقتصاد، بل كان الغناء، المسرح، الرسم، والرقص الشعبي. لأن الفن يخاطب الإنسان في عمقه، يتجاوز اللغة والقبيلة والانتماء، ويجمع الناس حول إحساس واحد: أننا ما زلنا أحياء… ونستحق الحياة.
في السودان، نملك إرثاً فنياً عظيماً، متنوعاً بتنوع ثقافاتنا. من إيقاعات النوبة، إلى غناء الوسط، إلى تراث دارفور وكردفان والشرق… هذا التنوع ليس عبئاً، بل ثروة حقيقية يمكن أن تكون أساساً لوحدة وجدانية عميقة. لكن هذه الثروة تُترك اليوم مهمّشة، بلا رعاية، بلا منصات، بلا رؤية.
أيها المسؤولون…
إن دعم الفنون ليس بنداً ثانوياً في خططكم، بل هو استثمار في السلام.
وإن رعاية المبدعين ليست مجاملة، بل ضرورة وطنية.
افتحوا المسارح المغلقة، أعيدوا الحياة لدور الثقافة، ادعموا الفرق الفنية، شجّعوا المواهب الشابة في المدارس والجامعات. اجعلوا لكل ولاية مهرجاناتها، ولكل مدينة صوتها، ولكل مجتمع مساحته ليعبّر عن نفسه.
أما أنتم، يا من تمسكون بالقلم…
فاكتبوا للفن كما تكتبون للسياسة.
أنصفوا المبدعين كما تنصفون القضايا الكبرى.
سلّطوا الضوء على الجمال، لا على الألم فقط. فالإعلام الذي لا يرى إلا الأزمات، يُسهم – دون أن يدري – في تعميقها.
الفنون قادرة على أن تغيّر المزاج العام، أن تخفف الاحتقان، أن تفتح نوافذ للأمل. طفلٌ يتعلم الموسيقى، قد لا يحمل سلاحاً غداً. شابٌ يجد نفسه في المسرح، قد لا يضيع في طرق العنف. مجتمعٌ يحتفي بالجمال، يصعب أن ينزلق نحو القبح.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة بناء الإنسان.
والإنسان لا يُبنى بالخبز وحده… بل بالمعنى، بالجمال، وبالإحساس بأنه جزء من قصة تستحق أن تُروى.
الفنون هي تلك القصة.
فإن أردتم تعافياً حقيقياً…
ابدأوا من هنا.م



