
في كل صباح يستيقظ المواطن بمدينة كوستي على واقع اقتصادي أكثر قسوة من اليوم الذي سبقه. آخر فصول المعاناة تمثلت في الارتفاع المتواصل لسعر الخبز، حيث أصبح الألف جنيه لا يشتري سوى ثلاثة أرغفة فقط، بعد أن كان قبل فترة قصيرة يكفي لشراء خمسة أو ستة أرغفة. إنها قفزة موجعة تضرب مباشرة قوت الأسر البسيطة التي أنهكتها الحرب وضيق المعيشة وتآكل الدخل.
المواطن اليوم لا يطلب رفاهية ولا يبحث عن الكماليات، بل يبحث عن رغيف يسد به جوع أطفاله. لكن يبدو أن هذا الحق البسيط أصبح رهينة للمبررات الجاهزة والشماعات المعلقة في كل مناسبة. فكلما ارتفع سعر سلعة سمعنا الحديث نفسه: الحرب، انقطاع الكهرباء، ارتفاع الدولار، تكاليف التشغيل. ورغم أن هذه العوامل لها تأثيرها بلا شك، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يظل المواطن وحده من يدفع الثمن؟
الأمر لا يتعلق فقط بزيادة الأسعار، بل بغياب الرقابة والمحاسبة. فحين ترتفع الأسعار بصورة يومية دون ضوابط، يصبح الباب مفتوحاً أمام الجشع والاستغلال. وبعض أصحاب النفوس الضعيفة وجدوا في الظروف الحالية فرصة لتحقيق أرباح أكبر على حساب المواطن البسيط الذي لا يملك بديلاً ولا صوتاً مسموعاً.
الأكثر إثارة للاستغراب هو الصمت المطبق من الجهات ذات الصلة. أين اتحاد المخابز من هذه الأزمة؟ وأين دوره في حماية المستهلك وتنظيم العمل؟ المواطن لا يرى سوى بيانات غائبة ومواقف باهتة، بينما تستمر الأسعار في الصعود بلا توقف. وكأن الأمر لا يعني أحداً، وكأن معاناة الناس أصبحت خبراً عادياً لا يستحق الوقوف عنده.
إن الخبز ليس سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، بل هو أساس الحياة اليومية للمواطن. وعندما يصبح الحصول على الرغيف عبئاً مالياً ثقيلاً، فإن ذلك مؤشر خطير يستوجب التدخل العاجل. المطلوب اليوم ليس تبريرات جديدة، وإنما إجراءات واضحة وحاسمة تضبط الأسواق وتحمي المستهلك وتضع حداً للفوضى التي أصبحت سمة ملازمة لكثير من السلع الأساسية.
الشكوى اليوم نرفعها إلى الجهات المسؤولة كافة: إلى المحلية، وإلى وزارة التجارة، وإلى الجهات الرقابية، وإلى اتحاد المخابز. فالمواطن لم يعد يحتمل مزيداً من الضغوط، ولم يعد قادراً على مجاراة هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار. وإذا كان الجميع يبرر ويعتذر، فمن الذي سيتحمل مسؤولية حماية الناس؟
يبقى السؤال معلقاً في الهواء: هل سيأتي يوم يعود فيه الرغيف إلى سعره المعقول، أم أن المواطن سيظل يدفع فاتورة الأزمات وحده بينما يكتفي الآخرون بالمشاهدة من بعيد؟



