حوارات

في حوار الراهن الاقتصادي ل( العلا برس) : رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بمركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجيةد/الفاتح عثمان محجوب :الجنيه السوداني فقد 93% من قيمته وهي ضريبة صامتة دُفعها المواطن

العلا برس: خاص

 

 

لم يعد سعر الدولار مجرد رقم في نشرات السوق الموازي، بل تحول إلى مقياس يومي لمعيشة السودانيين وقدرتهم على البقاء. من 565 جنيهاً قبل الحرب إلى أكثر من 8400 جنيه اليوم، فقد الجنيه نحو 93% من قيمته، في انهيار لم يسبق له مثيل، دفع ثمنه المواطن البسيط قبل التاجر والمصرف.

هل الحرب وحدها هي من أسقطت الجنيه؟ أم أن هناك جذوراً أقدم وأعمق؟ ولماذا لا يستفيد السودان من ذهبه؟ وهل يمكن إصلاح العملة والبنادق لا تزال مشتعلة؟

في الحوار التالي يحاول الخبير الاقتصادي دكتور الفاتح عثمان أن يردم الفجوة بين لغة الشارع ولغة الخبراء، لتفكيك أزمة الجنيه إلى ثلاث طبقات: اقتصاد ريعي هش، وصدمة حرب مدمرة، وآليات تمويل تضخمي حولت الصدمة إلى انهيار شامل. ويقدم خارطة طريق واقعية بمسارين: احتواء في ظل الحرب، وتعافٍ كامل بعدها.

حوار يشرح ولا يُعقد، ويعترف بما لا نعرفه كما يُقر بما نعرفه.

 

*شراء الحكومة للدولار من السوق الأسود فرضية بلا وثيقة.. والشفافية هي من يغلق باب الشائعة

*خارطة الطرق للاقتصاد السوداني تبدأ من هنا!

بداية..ماهي أسباب سقوط الجنيه السوداني وكيف ينهض؟

 

حين يتحدث الناس في السودان عن الاقتصاد، فهم يتحدثون عن سعر الدولار. وحين يتحدث المتخصصون، فهم يتحدثون عن العجز والإصدار والاحتياطي. وبين اللغتين فجوة، وهذا اللقاء محاولة لردمها: أسئلة من الشارع وأخرى من قاعة الدرس، وأجوبة تشرح ولا تُعقّد، وتعترف بما لا نعرفه كما تُقر بما نعرفه.

 

 

وتشير تقديرات السوق الموازي إلى أن سعر الدولار انتقل من نحو 565 جنيهاً قبيل الحرب في أبريل 2023 إلى أكثر من 8,400 جنيه. وهذا يعني أن الجنيه فقد نحو 93% من قيمته أمام الدولار. وأنبه من البداية إلى أن هذه تقديرات صحفية وبحثية وليست إحصاءً رسمياً، وأن الإحصاءات في بلد يعيش حرباً ناقصة ومتباينة بطبيعتها. لكن الاتجاه لا يختلف عليه اثنان.

ولتقريب الصورة للقارئ: ما كان يشتريه ألف جنيه قبل الحرب، لا يشتري اليوم إلا ما يعادل نحو سبعين جنيهاً من قيمته القديمة. بعبارة أخرى، كل مدخرات الناس بالجنيه فقدت قيمتها تقريباً دون أن يمسها أحد، وهذه هي قسوة التضخم: ضريبة صامتة لا تُرى ولكنها تُدفع من كل جيب.

 

*هل الحرب وحدها سبب الانهيار؟*

الحرب هي الضربة الأقوى بلا شك، لكنها وقعت على جسد مريض أصلاً. أنا أنظر إلى الأزمة بوصفها ثلاث طبقات تتراكم فوق بعضها: جذور هيكلية قديمة سابقة للحرب، ثم صدمة الحرب نفسها منذ أبريل 2023، ثم آليات نقدية ومالية تحول هذه الصدمة إلى انهيار حقيقي في سعر الصرف. ومن يقف عند طبقة واحدة يخطئ التشخيص، فيخطئ العلاج.

 

*لنأخذ الطبقة الأولى. ما الجذور التي سبقت الحرب؟*

الجذر الأول هو الاقتصاد الريعي الهش. حين انفصل جنوب السودان عام 2011 فقدنا الجزء الأكبر من إنتاج النفط، وهو المصدر الذي كان يمول الميزانية ويوفر العملة الأجنبية. ولم نُحسن بناء بدائل تصديرية كافية.

 

والجذر الثاني هو نظام الصرف المشوّه. بقي سعر رسمي مثبت بعيداً عن السوق سنوات طويلة، ثم جرى في فبراير 2021 تعويم مُدار نقل السعر الرسمي من 55 إلى 375 جنيهاً للدولار بحسب The Sentry. لكن الإصلاحات المصاحبة له لم تكتمل.

 

والجذر الثالث هو العجز المزمن الممول نقدياً. فبحسب مؤشر BTI بلغ التضخم نحو 359% في 2021 ونحو 138.8% في 2022. أي أن الجنيه دخل الحرب وثقة الناس به ضعيفة أصلاً.

 

*وماذا فعلت الحرب تحديداً بالاقتصاد؟*

ضربت الإنتاج والإيرادات والتجارة والمؤسسات في وقت واحد. فبحسب مؤشر برتلسمان للتحول الاقتصادي والسياسي، تراجع الناتج 29.4% في 2023 و13.5% في 2024، وانخفضت الصادرات 37.1% في 2023. وتقدّر ورقة بحثية صادرة عن منظمة “ذا سنتري” (The Sentry) أن نسبة كبيرة من المنشآت الصناعية تضررت، وانهارت الإيرادات حتى تعذر دفع الرواتب في قطاعات عدة، وتقدر الورقة نفسها الإيرادات بأقل من 5% من الناتج.

 

*يُقال إن “الطباعة” أي الإصدار النقدي هي السبب. ما رأيك؟*

الإصدار قناة رئيسية فعلاً، لكنه ليس السبب الأول بل الحلقة الوسيطة. حين تنهار الإيرادات ويرتفع الإنفاق، يتسع العجز. ولا بد من تمويله، فإما بالاقتراض من الخارج وهو شبه مغلق، أو من الداخل وهو محدود، أو بالاستدانة من البنك المركزي أي بخلق نقود جديدة. وعندما تزداد كمية النقود دون زيادة في السلع والخدمات، يتحول فائض النقود إلى طلب على الدولار والذهب والسلع، فيرتفع السعر.

 

*ما المقصود بتعدد أسعار الصرف، وماهي الأضرار المترتبة عليه *

يعني أن للدولار أكثر من سعر في وقت واحد: سعر في البنوك، وآخر تحتسب به الجمارك، وثالث في السوق الموازي. وحين تتسع الفجوة بينها تظهر المراجحة. فيفضل المصدر أن يبيع عائده بالسعر الموازي الأعلى، ويلجأ المستورد إلى السوق نفسه لأن البنوك لا تلبي طلبه، فتجف الموارد الرسمية ويكبر السوق الموازي.

 

*ماذا عن ضعف المعروض من الدولار؟ ولماذا لا يستفيد الجنيه من الذهب؟*

السعر في النهاية هو لقاء الطلب بالعرض. الطلب على الدولار كبير: استيراد وقود ودواء وغذاء وسلاح، وتحوط من الأسر والتجار. أما العرض فتقلص لأن الصادرات تراجعت، والتحويلات المصرفية انخفضت، ولأن جزءاً كبيراً من الذهب يخرج عبر قنوات غير رسمية فلا يعود عائده إلى النظام المصرفي.

 

وعلاج الذهب في رأيي بالحوافز لا بالمنع وحده: رسم قيمة أقل على التصدير عبر القنوات الرسمية وأعلى على ما يخرج خارجها، مع سرعة السداد للمصدر وتسهيل الإجراءات.

 

*ما دور التوقعات والدولرة؟*

هي نفسية واقتصادية في آن واحد. حين يتوقع الناس أن الجنيه سيهبط، يحولون مدخراتهم إلى دولار أو ذهب أو سلع. فيرتفع الطلب على الدولار فعلاً، فيهبط الجنيه، فتتأكد التوقعات. وهذا ما يسميه الاقتصاديون “التوقع المحقق لنفسه”.

 

*قلت إن الانهيار “يغذي نفسه”. كيف؟*

لأنه حلقة مفرغة. هبوط الجنيه يرفع كلفة الاستيراد وكلفة الدين. فيتسع العجز ويمول بالإصدار، فيزداد الطلب على الدولار، فيهبط الجنيه مرة أخرى. وكل دورة تبدأ من نقطة أسوأ من التي قبلها.

 

*هل ما نراه أساسيات اقتصادية أم هلع في السوق؟*

الاثنان، لكن بأوزان مختلفة. الأساسيات هي العنصر الغالب: لا يمكن تفسير الانتقال من 565 إلى أكثر من 8,400 باختلال في الوساطة وحدها. غير أن القفزات القصيرة، كارتفاع بنحو 40% في ثلاثة أسابيع، تدل على عنصر هلع وتوقعات.

 

*يُقال إن الحكومة تشتري الدولار من السوق الموازي. هل هذا صحيح؟*

يطرح بعض الاقتصاديين هذا التفسير. لكن علينا الأمانة العلمية: لم أطلع على وثيقة منشورة تثبته، ولم يؤكده مصدر رسمي. لذلك أتعامل معه كفرضية تحتاج إلى بيانات لا كحقيقة.

 

*كيف تقيّم الاتهامات الموجهة إلى البنك المركزي؟*

أرفض موقفين متطرفين: أن يُحمّل البنك وحده مسؤولية الانهيار، وأن يُبرأ تماماً. الحرب دمرت الأساس الإنتاجي والمالي، وهذا خارج أدوات أي بنك مركزي. لكن في المقابل هناك أخطاء لا ينبغي إنكارها: تأخر استكمال الإصلاحات المصاحبة لتعويم 2021، واستمرار تعدد الأسعار، وقلة البيانات المنشورة.

 

*ما أثر ذلك على الناس العاديين؟*

بحسب برنامج الأغذية العالمي، ارتفعت سلة الغذاء الوطنية نحو 94% بينما ارتفعت الأجور نحو 1.8% فقط. أي أن الأسرة تشتري بدخلها اليوم أقل بكثير مما كانت تشتريه. وأخطر ما في الأمر أن الأثر يقع على الأضعف أولاً: النازحون والموظفون أصحاب الدخل الثابت.

 

*لو كنت صاحب القرار، فمن أين تبدأ؟*

من وقف التمويل التضخمي، أي سقف معلن لما يمول من البنك المركزي. ثم أربع خطوات متوازية:

*أولاً:* حساب خزانة موحد تُجمع فيه الإيرادات.

*ثانياً:* توحيد أسعار الصرف تدريجياً وربط سعر الجمارك بسعر مرجعي أسبوعي.

*ثالثاً:* إعادة الذهب والتحويلات إلى القنوات الرسمية بالحوافز.

*رابعاً:* شبكة حماية للأسر الفقيرة والنازحة.

وأضيف شرطاً خامساً هو الشفافية: نشر الأهداف والبيانات في مواعيد ثابتة.

 

*ولماذا لا نحرر سعر الصرف فوراً؟*

لأن التسلسل مهم في الإصلاح. فتحرير سعر الصرف قبل وقف تمويل العجز بالإصدار يعني ببساطة أن تنزلق العملة أكثر. القاعدة التي أراها: لا تحرير قبل وقف الإصدار، ولا رفع دعم قبل تشغيل شبكة الحماية.

 

*هل نستفيد من تجارب الدول الأخرى؟*

لا بد من الحذر في المقارنة. فقد أصدر صندوق النقد الدولي مذكرة نقاش تتناول حالتي تشيلي والبرازيل، ضمن عينة من 25 اقتصاداً ناشئاً. أول الدروس التمييز بين ما تحركه الأساسيات وما يحركه اضطراب الأسواق المالية. وثانيها أن التدخل في سوق الصرف ضروري ولكنه غير كافٍ.

 

*وهل يمكن إصلاح شيء والحرب مستمرة؟*

نعم جزئياً. لذلك اقترحت مسارين: الأول مسار الاحتواء في ظل الحرب، وهدفه وقف الانزلاق. والثاني مسار التعافي عند وقف القتال: تحرير مدار، وإعادة إعمار، وإعادة اندماج مالي دولي.

 

*كيف نعرف أن الإصلاح يسير في الاتجاه الصحيح؟*

أقترح ثلاث مراحل بمؤشرات قابلة للتحقق علناً:

– *مرحلة الاحتواء (أول 3 أشهر):* سقف التمويل المركزي، ونشر سياسة الصرف.

– *مرحلة الاستقرار (3-12 شهراً):* فجوة صرف أقل من 15%، وتضخم شهري أقل من 3%.

– *مرحلة التعافي (12-36 شهراً):* تضخم أقل من 15%، وتغطية شهرين من الواردات.

 

*كلمة أخيرة؟*

الجنيه لم يسقط في يوم واحد ولا بسبب جهة واحدة، ولن ينهض بقرار واحد. المخرج يبدأ بوقف الإصدار وتوحيد الصرف وكسب الثقة، وبالصدق في عرض الأرقام والاعتراف بالأخطاء بجانب شرح الظروف. الطريق طويل ومشروط بإنهاء الحرب، لكن البدء بإجراءات صغيرة قابلة للتحقق خير من انتظار حل سحري لن يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى