في الحرب ضد الطابور الخامس(6) *وهم التمرد: لماذا يُعدُّ تحالف الجيش والقوات المشتركة ضرورة استراتيجية لمستقبل السودان؟* كتب: محمد الأمين عبدالعزيز
العلا برس

في خضم العاصفة التي تعصف بالسودان، وتتشابك فيها خيوط الصراع والأمل، تبرز فرضيات وتحليلات تسعى لتفسير المشهد المعقد، ومن بينها فرضية إمكانية تمردنا نحن القوات المشتركة، على القوات المسلحة السودانية، وهذه الفرضية هي التي يتداولها أبواق الطابور الخامس هذه الأيام لبث الرعب بين المواطنين.
بيد أن هذه الفرضية، عند وضعها على محك الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تبدو واهية الأساس، ضعيفة المنطق، بل وتتلاشى أمام حتمية تحالفنا الاستراتيجي الذي فرضته ضرورات البقاء ورسم ملامح المستقبل. إن علاقتنا بالمؤسسة العسكرية لم تعد خياراً تكتيكياً، بل أضحت قدراً استراتيجياً يمثل حجر الزاوية في مشروع إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.
*دوافع التحامنا في وجه التحدي الوجودي*
إن الأسباب التي تجعل من فكرة صدامنا مع الجيش أمراً مستبعداً، متعددة الأبعاد المجتمعية ومتجذرة في بنية الأزمة الحالية.
سياسياً، يقف “العدو المشترك”، المتمثل في ميليشيا الدعم السريع، كعامل توحيد قسري، حيث أدركنا جميعاً أن المعركة الدائرة هي معركة وجود للدولة السودانية ذاتها، لا صراع على السلطة فحسب. وقد عزز هذا الإدراك اتفاق جوبا للسلام لعام 2020، الذي يمثل نقطة فارقة تميزه عن اتفاقيات سابقة كنيفاشا؛ فهو لم يوقف القتال فحسب، بل منحنا كممثلين لهذه الحركات مكاسب سياسية حقيقية ومشاركة فعلية في هياكل السلطة.
ومن ثم، فإن أي تمرد من جانبنا على الجيش هو بمثابة انتحار سياسي يقوض مكتسباتنا التمثيلية التي ناضلنا من أجلها لسنوات، ويغلق الباب أمام طموحنا المشروع في المشاركة الحقيقية لرسم مستقبل السودان والمساهمة في بناء دولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية جامعة وخاضعة للدستور.
*نسيجنا الاجتماعي ورفضنا لمنطق الميليشيا*
على الصعيد الاجتماعي والقبلي، لم يكن تحالفنا مع الجيش ترفاً، بل ضرورة لحماية مكوناتنا السكانية التي تشكل عمقنا الاجتماعي، خاصة في دارفور وكردفان. لقد وجدت مجتمعاتنا نفسها في مواجهة مباشرة مع انتهاكات ميليشيا الدعم السريع ومشاريعها الرامية إلى فرض تغيير ديموغرافي استيطاني، مما جعل من اصطفافنا مع القوات المسلحة خط الدفاع الأخير عن الأرض والهوية.
علاوة على ذلك، فإن النموذج الذي قدمته الميليشيا، والقائم على هيمنة مكون قبلي واحد، أثار مخاوف عميقة لدى سائر المكونات الإثنية والقبلية في السودان، ودفعنا جميعاً إلى التمسك بالجيش بوصفه المؤسسة القومية الأوسع تمثيلاً، رغم إقرارنا بحاجته الماسة إلى الإصلاح وإعادة الهيكلة. هذه الروابط الاجتماعية والتداخلات القبلية العابرة للانتماءات الضيقة تخلق شبكة أمان اجتماعي تجعل من الاقتتال الداخلي أمراً بالغ الصعوبة والخطورة.
ايضا وعلى الرغم من أن بعض النزاعات في السودان تحمل طابعاً قبلياً، إلا أن هناك أيضاً تداخلات وتحالفات قبلية عابرة للانتماءات الضيقة. فبعض قبائلنا الممثلة في صفوفنا، القوات المشتركة، لها امتدادات داخل القوات المسلحة، مما يخلق شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تصعّب من إمكانية المواجهة الشاملة.
*اقتصاديات الحرب والسلام من منظورنا*
اقتصادياً، ندرك في القوات المشتركة أن أي مواجهة مع الجيش لن تكون عسكرية صرفة، بل هي صدام قوى اقتصادية كبرى تسيطر على قطاعات حيوية في البلاد، مما يجعل كلفة التمرد باهظة وغير محتملة.
وفي المقابل، أتاح لنا اتفاق جوبا كقيادات للحركات المسلحة الولوج إلى إدارة موارد اقتصادية في مناطق نفوذنا، وهي مصالح ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببقاء الدولة ومؤسساتها. كما أن تطلعنا للمستقبل يفرض نفسه؛ فالمشاركة في جهود ومشاريع إعادة الإعمار الضخمة التي سيحتاجها السودان بعد الحرب، تتطلب منا البقاء ضمن تحالف الدولة الشرعي، لا الخروج عليه.
*نحو ميلاد جيش وطني وبناء أمة نشارك فيها*
إن الأثر الأعمق لتحالفنا هذا، إذا ما تم استثماره بحكمة ورؤية وطنية، يتجاوز مجرد دحر التمرد، ليؤسس لمستقبل أكثر استقراراً. فالفرصة اليوم تاريخية لإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، عبر دمج مقاتلينا في بوتقة القوات المسلحة وفق أسس مهنية وعقيدة عسكرية جديدة، يكون ولاؤها للوطن والدستور، لا لنظام سياسي أو فئة معينة. هذا الدمج هو السبيل لتحقيق الأمن الشامل وفرض سيطرة الدولة، وهو أيضاً المدخل لتعزيز الوحدة الوطنية عبر إنصاف أبنائنا في الهامش وتمثيلهم العادل في المؤسسة العسكرية، مما يردم هوة الثقة ويعالج المظالم التاريخية التي غذّت الحروب لعقود.
إن توحيد خبراتنا القتالية المتنوعة مع خبرات مشروع الجيش النظامي الواحد كفيل بخلق قوة عسكرية إقليمية محترفة، قادرة على حماية سيادة السودان ومصالحه.
و*ختاماً*، رغم أن طريقنا نحو الاندماج الكامل لا يزال محفوفاً بتحديات الثقة المتبادلة والصعوبات اللوجستية، إلا أن الضرورة القاهرة التي فرضتها الأزمة الراهنة قد تكون هي المحفز الأقوى لنا لتجاوز العقبات. إن انهيار فرضية التمرد لا يفسح المجال أمام فرضية التحالف فحسب، بل يكرسها كطوق نجاة للسودان، وكأساس صلب لبناء جيش وطني موحد ومهني، نكون فيه الضامن الحقيقي للانتقال الديمقراطي المنشود وحماة حمى سودان جديد، آمن وموحد، يتسع لجميع أبنائه.
سلام ويتبع



