تقارير

الحوار السوداني.. مطلوبات استقرار الاقتصاد وتحسين معاش الناس

العلا برس.. رشا التوم

 

 

يمر الاقتصاد السوداني بمرحلة مفصلية بالغة التعقيد، لم تعد فيها الأزمة اقتصادية بحتة، بل هي في جوهرها أزمة سياسية وأمنية انعكست آثارها بشكل مباشر وقاسٍ على معاش الناس وقوت يومهم.

وأكد خبير التجارة الدولية حبيب الله عبد الوهاب أن التجربة السودانية أثبتت خلال السنوات الماضية حقيقة راسخة أكدها كل خبراء الاقتصاد: لا استقرار اقتصادي دون استقرار سياسي وأمني، ولا تعافٍ لمعاش المواطن دون وضوح الرؤية السياسية للبلاد.
عدم اليقين
وتابع حبيب الله قائلاً إن أخطر ما يهدد الاقتصاد هو حالة «عدم اليقين». فالمستثمر المحلي والأجنبي، والمنتج، والتاجر، وحتى المواطن البسيط، جميعهم يطرحون سؤالاً واحداً: «البلد ماشية على وين؟». وغياب الإجابة الواضحة عن هذا السؤال يدفع رؤوس الأموال إلى الهجرة، ويجمّد الاستثمارات طويلة الأجل، ويؤدي إلى ظاهرة بيع الأصول العقارية والهروب نحو أسواق خارجية أكثر أمناً، كما حدث خلال فترة الحرب.
وأضاف أن الحوار الوطني الشامل هو وحده القادر على تقديم إجابة وطنية موحدة لهذا السؤال، وإعطاء تطمينات حقيقية بأن هناك خارطة طريق متفقاً عليها نحو الانتخابات واستكمال مؤسسات الدولة القضائية والدستورية.
الحوار والدولار
وأضاف أن البلاد، عقب الاستقرار الأمني النسبي الأخير، شهدت انتعاشاً في السوق، لكنه انتعاش مشوه. فخروج البلاد من حرب دمرت بنيتها التحتية خلق طلباً غير مرن وقوياً جداً على الدولار لاستيراد كل شيء، من مدخلات الإنتاج والمصانع إلى السلع الاستهلاكية الأساسية.
وأوضح أن هذا الطلب الهائل، مع شح العرض، هو ما أدى إلى الانهيار المتسارع لسعر صرف الجنيه وتدهور القوة الشرائية للمواطن. مؤكداً أن هذا الخلل لا تعالجه مسكنات نقدية مؤقتة، بل يعالجه توافق سياسي يفتح الباب أمام عودة الإنتاج المحلي، وتأهيل البنية التحتية، وعودة ثقة المؤسسات المالية الدولية والمانحين لدعم الاقتصاد.
رد الاعتبار للقطاع الخاص
ونبّه حبيب الله إلى أن من أكبر الأخطاء التي ارتُكبت تجاهل القطاع الخاص السوداني. فهذا القطاع، رغم أنه واجه اختباراً حقيقياً خلال الحرب، أثبت صموده واستثمر في أفريقيا والخليج وآسيا.
وأشار إلى أن أي سياسات مالية ونقدية مستدامة لن تنجح ما لم تكن بالتشاور المباشر مع القطاع الخاص، وليس بالاعتماد على السياسيين فقط. فالحوار الوطني الحقيقي يجب أن يستصحب رؤية القطاع الخاص كشريك أساسي في وضع السياسات، لأنه المشغّل الأكبر والمنتج الحقيقي.
معاش الناس
وأردف أن المواطن السوداني لا ينتظر بيانات اقتصادية معقدة، بل ينتظر أثراً ملموساً في ثلاثة ملفات، منها استقرار الأسعار؛ إذ لا يمكن كبح التضخم وجنون أسعار العملات دون توافق سياسي يوقف المضاربة، ويعيد الانضباط للسياسات المالية والنقدية، ويجعلها واضحة ومستدامة وغير متقلبة.
فضلاً عن عودة الخدمات والسلع، فإن وحدة الرؤية المدنية حول إيقاف الحرب هي الضمانة الوحيدة لعودة آمنة وكريمة للنازحين واللاجئين، وفتح الطرق، وعودة الإنتاج الزراعي والصناعي، وهو ما سيؤدي مباشرة إلى وفرة السلع وانخفاض تكلفتها، خاصة أن ضعف موسم الأمطار هذا العام ينذر بأزمة غذاء مقبلة.
إعادة الإعمار
ولفت إلى عدم إمكانية الحديث عن إعادة إعمار ما دمرته الحرب في ظل استمرار الهدم، مشدداً على أن الحوار هو الذي يضع اللبنة الأولى لوقف الحرب أولاً، ثم يضع خطة وطنية لإعادة الإعمار تخلق ملايين فرص العمل للشباب وتعيد المدخرات التي تآكلت.
إن الحوار السوداني – السوداني ليس ترفاً سياسياً ولا مجرد «تحصيل حاصل» كما يخشى البعض، بل هو الآلية الاقتصادية الأهم في هذه المرحلة. فوضوح الرؤية السياسية الذي ينتجه الحوار هو نفسه مؤشر الاستقرار الاقتصادي.
وإشراك الجميع، دون إقصاء، ووضع معايير واضحة لـ«من يحاور من»، هو الطريق لضمان أن تكون مخرجات الحوار ملزمة، وأن تكون إرادة الشعب هي الضامن الوحيد لتنفيذها، فينعكس ذلك على استقرار السوق، وثبات العملة، وتحسن حقيقي في معاش الناس.
معالجة الأزمة
من ناحيته، استعرض الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية عباس علي السيد رؤية تحليلية حول معالجة الأزمة السودانية، مؤكداً أن المدخل الصحيح يتطلب التمايز المفاهيمي بين «الحوار» و«المفاوضات»، وبناء رؤية مدنية موحدة قائمة على الثوابت الوطنية.
وأوضح أن الخلط بين المفهومين هو أحد أسباب تعثر المبادرات، وقال:
الحوار هو الذي يدور بين القوى المتفقة على الأصول والثوابت الوطنية، وهو حوار مثمر يهدف إلى جمع الصف وترسيخ التوافق وتوحيد الرؤية.
أما المفاوضات، أو الجدال، فهي التي تتم بين الأطراف المختلفة في المبادئ والأولويات، وغالباً ما تتطلب تنازلات تحت ضغط العوامل الخارجية أو العسكرية، وقد تؤدي إلى زيادة الاحتقان بدلاً من تحقيق التوافق.
مرتكزات إنجاح الحوار
حدد عباس ثلاثة مرتكزات لا بد منها لإنجاح أي حوار وطني حقيقي:
أولاً: تحديد الثوابت: وذلك بتحديد المبادئ الوطنية الجامعة والثوابت التي لا خلاف عليها، ثم دعوة كافة الأطراف الملتزمة بها للحوار والمشاركة في وضع الوسائل والخطط للنهوض بالبلاد.
ثانياً: توفير المناخ الملائم: من خلال توفير مناخ يعزز حرية التفكير والتدبر بعيداً عن الإملاءات أو التدخلات الأجنبية، حتى يكون الحوار نابعاً من الإرادة الوطنية الخالصة.
ثالثاً: تكافؤ الأطراف: والتأكيد على أن الحوار المتكافئ يكون بين القوى المدنية، ولا يمكن بناء حوار متوازن ومتكافئ إذا كان أحد أطرافه يحمل السلاح.
خارطة طريق لإيقاف الحرب وإعادة الإعمار
قال عباس إن هدف الحوار السوداني – السوداني في الوقت الراهن يجب أن يتركز على توحيد رؤية القوى المدنية حول الطريق الأمثل لإيقاف الحرب، دون الاشتراط المسبق لوقفها لبدء التوافق المدني، فالتوافق المدني هو نفسه أداة الضغط لإيقاف الحرب.
وحدد هدفين متلازمين، أولهما حماية وحدة السودان وسيادته وضمان العودة الآمنة والكريمة للنازحين واللاجئين إلى ديارهم.
وأشار إلى أن التخطيط لعمليات إعادة الإعمار يجب أن يكون خطوة تلي الإيقاف التام للعمليات العسكرية، إذ يستحيل البناء في ظل استمرار الهدم.
وختم بالتأكيد على أن وحدة الصف المدني حول الثوابت الوطنية هي الضمانة الحقيقية لإنهاء الحرب وتأسيس مرحلة جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى