مقالات

الطاقة الشمسية في السودان… هل نجح المشروع أم ما زلنا نعيش في العتمة؟ خليل فتحي خليل يكتب في…. معاني الكلمات

العلا برس

 

في بلد تشرق عليه الشمس أغلب أيام العام، يبدو السؤال موجعاً ومحرجاً في آن واحد: لماذا ما زال السوداني يطارد الكهرباء بين الظلام والوعود؟ ولماذا تحولت الطاقة الشمسية من حلم قومي يمكن أن ينقذ البلاد إلى مشروع خاص لا يقدر عليه إلا أصحاب الأموال؟

السودان من أكثر دول العالم امتلاكاً لمورد الشمس، لكن المفارقة أن المواطن ما زال يشعل الشموع ويستمع إلى أنين المولدات وصرخات الأطفال من الحر والعطش. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نجح مشروع الطاقة الشمسية في السودان فعلاً؟ أم أنه ما زال مجرد تجربة محدودة لم تصل إلى عامة الناس؟

الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أن الطاقة الشمسية نجحت جزئياً، لكنها لم تتحول إلى مشروع دولة. نعم، انتشرت الألواح الشمسية في بعض المنازل والمؤسسات والمزارع، ونجحت في إنقاذ كثير من الأسر من جحيم القطوعات المستمرة، لكن النجاح ظل محصوراً في دائرة القادرين مادياً. أما محدودو الدخل فما زالوا يقفون بعيداً يتفرجون على الضوء من خلف أبواب الفقر.

الأسعار اليوم تضع المواطن أمام معادلة قاسية.

ألواح شمسية باهظة، بطاريات بأسعار خرافية، محولات وأسلاك وتركيب وصيانة، ثم بعد ذلك يسأل المواطن نفسه: كيف يمكن لموظف بسيط أو عامل يومية أن يوفر نظاماً شمسياً يكفي منزله؟ كثير من الأسر أصبحت ترى الكهرباء رفاهية لا حقاً أساسياً من حقوق الحياة.

المشكلة ليست في فكرة الطاقة الشمسية، بل في غياب الإرادة والتخطيط. الدولة حتى الآن لم تتعامل مع الطاقة الشمسية باعتبارها مشروعاً استراتيجياً للأمن القومي والخدمي، رغم أن العالم كله يتجه نحو الطاقة البديلة. بينما دول كثيرة تدعم مواطنيها للحصول على الطاقة النظيفة، نجد المواطن السوداني يواجه السوق وحده، بلا إعفاءات حقيقية، بلا تمويل ميسر، وبلا رقابة على الأسعار.

المؤلم أكثر أن بعض التجار حولوا هذا القطاع إلى تجارة مرهقة، فارتفعت الأسعار بصورة غير منطقية، ودخلت منتجات رديئة إلى الأسواق، فأصبح المواطن يدفع أموالاً طائلة ثم يكتشف أن البطاريات تلفت سريعاً أو أن الألواح لا تعطي الكفاءة المطلوبة.

إن نجاح الطاقة الشمسية لا يقاس بعدد الألواح المركبة فوق المنازل، بل يقاس بقدرة المواطن البسيط على الحصول عليها بسهولة. النجاح الحقيقي أن تصبح الكهرباء الشمسية متاحة للقرى والأحياء الفقيرة والمدارس والمراكز الصحية، لا أن تبقى حكراً على المقتدرين.

ولأن وضع المبضع على الجرح يتطلب الحديث عن الحلول لا البكاء فقط، فإن الطريق واضح

إذا أرادت الدولة أن

تنقذ الناس من الظلام:

أولاً:

لابد من إعفاء كامل لمعدات الطاقة الشمسية من الجمارك والضرائب والرسوم، لأن هذه المعدات لم تعد سلعة كمالية بل ضرورة حياتية.

 

ثانياً:

إنشاء تمويل مصرفي ميسر للأسر محدودية الدخل، بحيث يستطيع المواطن شراء نظام شمسي بالأقساط المريحة، كما يحدث في كثير من الدول.

ثالثاً:

 

تشجيع الاستثمار المحلي في تصنيع وتجميع بعض مكونات الطاقة الشمسية داخل السودان لتقليل التكلفة وخلق فرص عمل.

رابعاً:

فرض رقابة صارمة على الأسواق لمنع الغش ودخول المعدات الرديئة التي أضرت بثقة الناس في المشروع.

 

خامساً:

إدخال الطاقة الشمسية في المدارس والمستشفيات ومشروعات المياه الزراعية، حتى يشعر المواطن أن الدولة جادة في التحول نحو الطاقة البديلة.

سادساً:

 

إطلاق حملات توعية فنية للمواطنين حول كيفية الاستخدام الصحيح والصيانة، لأن كثيراً من الأعطال سببها غياب المعرفة.

السودان لا تنقصه الشمس، بل تنقصه الإدارة والرؤية.

بلادنا تستطيع أن تصبح من أكبر الدول الإفريقية في إنتاج الطاقة النظيفة إذا خرج الملف من دائرة التصريحات إلى دائرة التنفيذ الحقيقي.

إن استمرار أزمة الكهرباء يعني استمرار معاناة المستشفيات، وتعطل الدراسة، وخراب المشاريع الصغيرة، وانهيار حياة الناس اليومية. والطاقة الشمسية ليست ترفاً ولا موضة حديثة، بل أصبحت اليوم طوق نجاة لبلد أنهكته الأزمات.

في النهاية…

لن ينسى المواطن السوداني مشهد الأطفال وهم يذاكرون على ضوء الهواتف، ولا المرضى الذين يختنقون في الحر بسبب انقطاع الكهرباء، ولا الأمهات اللائي يطاردن الماء في العتمة. ولهذا فإن ملف الطاقة الشمسية يجب أن يُفتح بشجاعة ومسؤولية، لأن الوطن الذي تغمره الشمس لا يليق به أن يعيش في الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى