الكهرباء في صدارة الإعمار.. لماذا تتحرك الحكومة السودانية نحو تركيا؟ بقلم: د. حسب الرسول محمد سعد
العلا برس

تضع الحكومة السودانية ملف الكهرباء في مقدمة أولويات إعادة الإعمار، باعتباره القطاع الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية والخدمية، وهو ما برز بوضوح في زيارة وزير الطاقة المهندس المعتصم إبراهيم أحمد إلى مصنع Astor لصناعة المحولات الكهربائية بمدينة أنقرة التركية.
الزيارة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت أبعاداً استراتيجية تتعلق بضمان استقرار الإمداد الكهربائي في السودان خلال مرحلة ما بعد الحرب، خاصة مع تعرض عدد من المحطات والمحولات وخطوط النقل لأضرار كبيرة أثرت بصورة مباشرة على الخدمات والإنتاج والاستقرار المجتمعي.
الكهرباء اليوم لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت أساساً لعودة الحياة إلى المدن والقرى، إذ ترتبط بها المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والمصانع وشبكات الاتصالات، كما أن أي خطة لعودة المواطنين إلى مناطقهم لن تنجح دون استقرار التيار الكهربائي.
ومن هنا يمكن قراءة التحرك السوداني نحو تركيا باعتباره توجهاً عملياً للاستفادة من الخبرات الصناعية التركية المتقدمة في مجال الطاقة. فمصنع Astor يعد ثاني أكبر مصنع لصناعة المحولات الكهربائية والمحطات التحويلية في أوروبا، ويمثل واحداً من أهم الكيانات الصناعية المتخصصة في هذا المجال على المستوى الدولي، كما يصدّر منتجاته إلى أكثر من تسعين دولة حول العالم، تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب عدد من الدول الأوروبية والشرق أوسطية والأفريقية، وهو ما يعكس حجم الثقة العالمية في جودة منتجاته وكفاءته الفنية.
ويمتلك المصنع قدرات إنتاجية وتقنية متطورة تؤهله لتلبية احتياجات مشروعات إعادة الإعمار الكبرى، إضافة إلى خبرته الطويلة في تصنيع المحولات ومكونات الشبكات الكهربائية وفق المعايير العالمية.
كما أن العلاقات السودانية التركية خلال السنوات الماضية شهدت تطوراً ملحوظاً في مجالات الاقتصاد والبنية التحتية والطاقة، الأمر الذي يجعل التعاون الحالي امتداداً لشراكة قائمة يمكن البناء عليها خلال مرحلة إعادة الإعمار.
ومن النقاط المهمة التي حملتها الزيارة، الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تضم السفارة السودانية في أنقرة وشركة سنكاد، وهي خطوة تعكس اتجاهاً نحو المتابعة المؤسسية وتقليل العقبات الإدارية والفنية التي قد تواجه عمليات التوريد والتنفيذ.
وفي تقديري، فإن نجاح الحكومة في استعادة استقرار الشبكة الكهربائية سيمثل نقطة تحول كبيرة في مسار التعافي الاقتصادي، لأن الكهرباء ترتبط مباشرة بالإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات والاستثمار، كما أنها تعطي رسالة ثقة للمواطنين وللشركاء الإقليميين والدوليين بأن السودان بدأ فعلياً مرحلة إعادة البناء.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية متكاملة لا تقتصر على معالجة الأعطال الآنية، بل تتجه أيضاً نحو تحديث الشبكة الكهربائية وتوسيع مصادر الطاقة وتحسين كفاءة التوزيع، بما يضمن استدامة الخدمة وتقليل الفاقد ورفع قدرة القطاع على تلبية احتياجات التنمية المستقبلية.
وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى قطاع الكهرباء واحداً من أهم مفاتيح الاستقرار الوطني، وأحد العناوين الرئيسية لمعركة إعادة الإعمار وبناء الدولة السودانية الحديثة.


