
في مقالي السابق تناولت المفارقة العجيبة والغريبة التي جعلت شركات التأمين تطالب برفع أقساط تأمين الطرف الثالث بحجة عدم مواكبة الأقساط لارتفاع أسعار السلع والخدمات في السوق السوداني وارتفاع نسب التضخم، بينما تتنازل في الواقع العملي عن نسب ضخمة من الأقساط لأشخاص لا علاقة لهم بالشركات، وذلك في شكل عمولات وحوافز، بالإضافة إلى اكتتاب الوثائق بأقل من السعر المعلن من قبل الحكومة، في ظاهرة تُعرف بالكسر.
وكما قلنا في المقال السابق، فإن السكوت وغض الطرف عن هذه الممارسات الضارة لم يعد يجدي نفعاً، وإن الواجب العملي والأخلاقي يحتم علينا أن نقف حائط صد أمام هذه الأفعال الضارة بمصلحة المواطن في المقام الأول، وبمصلحة العملية التأمينية والاقتصاد السوداني بصورة عامة، بالإضافة إلى مصلحة شركات التأمين نفسها، والتي تعمل في الواقع بأموال وحسابات حاملي وثائق التأمين؛ أي أن المواطن (حامل الوثيقة) هو المتضرر أولاً وأخيراً.
ذلك لأن الإصلاح لا يقع على عاتق الجهة الرقابية وحدها، بل هو واجب الجميع، كما نصت المادة (4/أ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م على أن *منع ارتكاب الجريمة واجب الكافة*
وأؤكد أن المطلوب في هذه اللحظة الحاسمة، وفي خضم هذه الأوضاع المعطوبة، ليس إطلاق الوعود، وإنما التطبيق الحازم والصارم لنصوص القانون دون استثناء أو محاباة لأحد كائناً من كان. فالقانون لا يفرق بين شركة كبيرة أو صغيرة، ولا بين مسؤول رفيع أو وضيع.
فإذا تم ضبط أي مخالفات مما تمت الإشارة إليه أعلاه، فإن الواجب القانوني يحتم التحقيق فيها واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها. وأي تقاعس أو تلكؤ في أداء الواجب المناط بالجهات المختصة لوقف هذه المخالفات ومحاسبة مرتكبيها، فإن أبواب العدالة مشرعة على مصراعيها، وسنقوم بمخاصمة وملاحقة السائل والمسؤول أمام أجهزة العدالة المتاحة وفقاً للقانون.
إن قضيتنا، بل ومعركتنا، ليست ضد شركة بعينها أو مسؤول بذاته، بل ضد الممارسات التي أضرت بهذا القطاع حتى أقعدته عن أداء دوره، وأثقلت في الوقت ذاته كاهل المواطن، وأضعفت الثقة في سوق التأمين.
وسنظل نطالب بالشفافية والمحاسبة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، حتى يعود هذا القطاع إلى سابق عهده، وتحفظ حقوق حملة الوثائق وتصان أموال الشركات من الهدر والاستنزاف.



