
بعد أن تعالت في وقت مضى أصوات شركات التأمين عبر اتحادها في أكثر من مناسبة عامة وخاصة، بالإضافة إلى المطالبات المتكررة من عدة شركات تأمين برفع أقساط تأمين الطرف الثالث لمواكبة الارتفاع المتسارع لأسعار السلع والخدمات التي تقوم شركات التأمين بالتعويض بناءً على أسعارها، وبعد استجابة الجهات المختصة برفع أسعار الأقساط، اتضح لنا أن جزءاً مقدراً من هذه الأقساط لا يدخل ضمن ميزانية الشركات ولا تستفيد منه شركات التأمين، ولا يذهب إلى حيث أراد المشرع وابتغته الجهات المسؤولة من العملية التأمينية في السودان!!
فالمتتبع لعملية تأمين الطرف الثالث منذ إصدار الوثيقة وتسليمها لحاملها وسداد أقساطها يجد أن هذه الأقساط تتسرب جهاراً نهاراً عبر نوافذ العمولات العشوائية والحوافز التي تمنح للسماسرة والوكلاء و هى في الاصل غير مسموح بها في هذا النوع من التأمين، ولا أذيع سراً إن قلت إن ما يقارب الـ40%، بل في بعض الأحيان تزيد النسبة عن الـ50% من أقساط تأمين الطرف الثالث، لا يدخل في حسابات الشركات.
إذا ما جدوى تحميل المواطن أعباء إضافية عن طريق رفع أسعار أقساط تأمين الطرف الثالث؟! ولماذا تصر شركات التأمين بين فترة وأخرى على المطالبة برفع أقساط تأمين الطرف الثالث وتحميل المواطن (حامل الوثيقة) مسؤولية أعباء وتكاليف إضافية هي أصلاً لا تصل إلى حسابات شركات التأمين؟!
ترى من المستفيد من هذه العملية التي أقل ما يقال عنها إنها استنزاف للموارد الشحيحة للمواطن المغلوب على أمره، حامل الوثيقة؟! لتدخل معظم المبالغ المتحصلة، وهي مبالغ ليست بالقليلة بل تصل إلى مليارات الجنيهات، إلى جيوب وحسابات طفيليين وسماسرة وجرارين أبعد ما يكونون عن مصلحة قطاع التأمين، متمثلاً في الشركات، ومصلحة المواطن.
في رأيي، وللقضاء على هذه العملية المالية العبثية وهذا الاستنزاف للموارد المالية للمواطن والشركات، لا بد أن تنهض من وسط هذا الركام جبهة مناهضة لهذا العبث وهذه الفوضى التي عجزت خطط وبرامج القائمين على أمر التأمين في السودان عن كبح جماحها وإبعادها عن هذا القطاع المنهك بفعل أشخاص هم فيه، لكنهم أبعد ما يكونون عن مصالحه وأهدافه.
هذه الجبهة تكون مسؤوليتها مراقبة العملية التأمينية منذ إصدار الوثائق وتحصيل الأقساط ومتابعة عوائد هذه الأقساط عبر عرضها في ميزانية الشركات التي تودع صورة منها لدى المسجل التجاري، والتي يجوز لأي شخص الاطلاع عليها، ومقارنتها بما تكتتبه الشركة من وثائق خلال العام محل الميزانية، ومقارنة الأقساط مع سداد المطالبات، وما إذا كانت الأقساط تحتاج إلى رفع أسعارها أو تخفيضها، في عملية مواءمة بين مصلحة المواطن حامل الوثيقة وبين مصلحة الشركة ومركزها المالي وقدرتها على سداد مطالباتها.
وأي عبث أو خلل في هذه العملية لا شك أنه سيفتح الباب واسعاً لمخاصمة أي شركة، بل ويتيح تعريض أي شركة تتلاعب في تلك العملية في أي مرحلة من مراحلها للمقاضاة والمطالبة بوقفها واسترداد أي أموال تتحصل عليها عن طريق أي مخالفة للقانون، لأن ذلك يعتبر من قبيل الثراء الحرام أو المشبوه.
ولنا عودة لتفصيل كل ذلك.



