مقالات

​عندما تقف الصحافة أمام مرآة نفسها! بقلم: د. حسب الرسول محمد سعد

العلا برس

 

​في بريدي، استقرت دعوة كريمة ومقدرة من الزميلتين العزيزتين، الصحفيتين داليا إلياس ومشاعر عثمان، لحضور منتدى “أدبيات ممارسة العمل الصحفي” المقام بفندق السلام روتانا، برعاية وتشريف السيد وزير الإعلام، وبشراكة ذكية بين ملتقى “إندياح للتوعية” وصحيفة “أول النهار”. وقد شهد اللقاء حضوراً نوعياً لافتاً لكبار قادة العمل الصحفي في بلادنا، تخللته مداخلة تاريخية وقانونية رصينة عبر تقنية “الفيديو كونفرنس” للخبير الإعلامي الكبير، البروفيسور علي شمو، وضع فيها النقاط على الحروف حول ضوابط المهنة ومسؤوليتها.

​وقد استوقفني في هذا المحفل العنوان العريض والمبطن الذي تحمله الأجندة في هذا التوقيت الاستثنائي: النقد الذاتي للصحافة والصحافيين السودانيين. إنها دعوة جادة للوقوف أمام المرآة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى المكاشفة، المصارحة، وإعادة ترتيب البيت الصحفي من الداخل.

​شجاعة النقد الذاتي وعقدة التقصير العالمي

​الصحافة تاريخياً هي “السلطة الرابعة” التي تراقب وتحاسب، ولكن أن تُحوّل عدستها نحو الداخل بجرأة وتجرّد، فهذا دليل عافية ونضج مهني كبيرين. وقد تجلى هذا النضج في المداخلات الساخنة والمباشرة التي قدمها عدد من الصحفيين، والذين واجهوا الذات بنقد لا يرحم، مسلطين الضوء على القصور الواضح في نقل وتوثيق جرائم المتمردين خلال “حرب الكرامة” الحالية، والفشل في عكس هذه الفظائع بالشكل الذي يليق بضخامتها لمحاكمة الجناة أمام الرأي العام العالمي.

​لقد نجحت الأستاذة داليا والأستاذة مشاعر في وضع الإصبع على الجرح؛ فالحديث عن “أدبيات الممارسة” في هذا المنعطف الحرج يعني بوضوح السعي لترميم ما أفسدته التجاذبات، والاعتراف بالهنات لتجاوزها، وإعادة الاعتبار للميثاق الأخلاقي والمهني الذي يربط الصحفي بقارئه وبوطنه، بعيداً عن الاستقطاب أو الانكفاء على المعارك الهامشية.

​سؤال الوجود: هل ما زال الصحفي مؤثراً؟

​وسط هذه الأجواء المشحونة بالرغبة في التغيير، طرح الكاتب والصحفي الكبير محمد حامد جمعة سؤالاً محورياً وجوهرياً يحمل في طياته شجون المهنة وهواجسها الحاضرة: “هل ما زال الصحفي مؤثراً؟”.. سؤال كان كفيلاً بفتح نوافذ التأمل في زمن تلاشت فيه الحدود بين الصحفي المحترف و”مواطن المنصات”، ليعود الأستاذ محمد ويجيب بنفسه بيقين وثقة: “نعم”.. نعم، ما زال الصحفي مؤثراً متى ما تسلح بالمهنية، وامتلك ناصية الحقيقة، وترفع عن الصغائر.

​شعار يلامس الواقع (صحافة مهنية بأقلام وطنية)

​جاء شعار المنتدى كاشفاً وموجهاً بشكل دقيق: “صحافة مهنية بأقلام وطنية”؛ فالمهنية والوطنية ليسا خطين متوازيين لا يلتقيان، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ فالصحافة المهنية هي التي تلتزم بالدقة والموضوعية والمصداقية، والأقلام الوطنية هي التي تضع مصلحة البلاد والسلم الاجتماعي فوق كل اعتبار. والنقد الذاتي الذي ينطلق من هذا الشعار لا يهدف إلى جلد الذات وتثبيط الهمم، بل إلى البناء والتحصين والتأسيس لمرحلة جديدة من الوعي المسؤول والقدرة على خوض المعارك الدبلوماسية والإعلامية في الفضاء الدولي.

​خاتمة ورؤية للمستقبل

​انطباعي وأنا أتابع هذا الحراك هو التفاؤل؛ التفاؤل بأن هناك منصات سودانية وأقلاماً وطنية ما زالت قادرة على جمع أهل المهنة بمختلف مشاربهم لتبادل الرأي بمسؤولية وتجرد، وإطلاق صرخات تصحيحية قوية. ولكن، تظل العبرة دائماً تكمن في ما بعد التوصيات؛ كيف سنترجم هذه الأدبيات والمكاشفات المبحوثة إلى ممارسة يومية تسد الثغور وتنتصر للوطن في وسائل إعلامنا ومواقعنا الإخبارية؟

​كل التحية والتقدير للزميلتين داليا إلياس ومشاعر عثمان على هذه المبادرة التي حركت الساكن، وللقائمين على المنتدى. لقد فتحتم باباً كبيراً للمكاشفة، والمسؤولية الآن تقع على عاتق الصحفيين المحترفين ولوج هذا الباب بكل تجرد، شجاعة، ووطنية؛ ليصبحوا بذلك القدوة الحسنة للهواة، والمهتمين، والمتابعين من عامة الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى