عام

عودة الروح للنيل: النقل النهري بين ذاكرة الأمس وطموح الغد بقلم: خليل فتحي خليل

العلا برس

 

في لحظةٍ تختلط فيها رائحة التاريخ بملامح الأمل، عاد النيل ليهمس من جديد، لا كمجرى ماءٍ فقط، بل كشريان حياةٍ ظلّ عبر العصور يحمل الخير والناس والأحلام. وبين ضفتيه، تتجدد الحكايات، وتُبعث ذاكرة النقل النهري من عمق الغياب، كأنها طائرٌ ينهض من الرماد.
في زيارةٍ ميدانية تحمل الكثير من الدلالات، وقف سعادة الفريق أمن عبد العظيم الرفاعي، مدير شركة النيل للنقل النهري، على واقع المواعين النهرية الغارقة برئاسة الشركة في الخرطوم بحري. لم تكن الزيارة مجرد تفقدٍ روتيني، بل كانت قراءةً دقيقة لواقعٍ يحتاج إلى قرار، واستشرافٍ لمستقبلٍ يتطلب إرادة.
المشهد هناك، بين الحديد الصامت والمياه التي احتضنت مواعين الأمس، كان مؤثراً. تلك البواخر واللنشات التي كانت يوماً تضج بالحياة، تنقل المسافرين والبضائع، وتربط المدن ببعضها البعض، أصبحت شاهداً على سنواتٍ من التراجع والإهمال. لكن، وبعزيمة الرجال، لا تبقى الأشياء على حالها.
سعادة الفريق الرفاعي، وهو يقف وسط هذا المشهد، لم ينظر إلى الغرق كحالة نهاية، بل كبداية جديدة. رؤية واضحة بدأت تتشكل، وخطط طموحة وضعت على الطاولة، عنوانها: إعادة إحياء النقل النهري كخيار استراتيجي يخدم الاقتصاد الوطني ويعيد الحياة لشرايينه القديمة.
ومن بين هذه الخطط، برزت خطوة مهمة تمثلت في نقل عددٍ من المواعين النهرية إلى مدينة كوستي، تلك المدينة التي ظلت تاريخياً قلب النقل النهري النابض. كوستي ليست مجرد محطة، بل هي ذاكرة وطن، وبوابة عبور نحو الجنوب، نحو جوبا، حيث كان الخط الملاحي يوماً من أهم خطوط التواصل بين السودان وجنوب السودان.
اليوم، تعود كوستي لتستعيد دورها، حيث تتأهب الجرارات النهرية للانطلاق، في رحلة تحمل رمزية كبيرة، معلنةً بداية عودة الخط الملاحي كوستي – جوبا. هذا الحدث لا يعني فقط استئناف حركة نقل، بل هو رسالة بأن السودان قادر على استعادة عافيته، وبأن النيل لا يزال يحمل في جوفه الكثير.
إن عودة هذا الخط الملاحي ستفتح آفاقاً واسعة للتجارة، وتسهم في تخفيف الضغط على الطرق البرية، وتوفر وسيلة نقل أكثر أماناً وأقل تكلفة. كما أنها تعزز من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الشعبين، وتعيد للحياة النهرية بريقها الذي غاب.
ولا يمكن إغفال الجهود الفنية والهندسية التي تُبذل لإعادة تأهيل هذه المواعين، فالأمر لا يقتصر على النقل فقط، بل يتطلب عملاً متكاملاً يشمل الصيانة، والتحديث، وتدريب الكوادر، وبناء منظومة تشغيل حديثة تواكب التحديات.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد مشروع، بل هو عودة لروحٍ ظلت حاضرة في وجدان السودانيين. فالنقل النهري لم يكن يوماً وسيلة فقط، بل كان أسلوب حياة، وثقافة، وجزءاً من الهوية.

بين الأمس الذي حمل الذكريات، واليوم الذي يصنع القرار، يقف النقل النهري على أعتاب مرحلة جديدة. وما بين الخرطوم بحري وكوستي، وبين كوستي وجوبا، تُكتب فصول قصةٍ عنوانها الإرادة والتجديد.
إن الخطوات التي يقودها سعادة الفريق عبد العظيم الرفاعي تبعث برسالة أمل، بأن ما تعثر يمكن أن ينهض، وأن ما غرق يمكن أن يعود إلى السطح، أكثر قوةً وإصراراً.
فليكن النيل شاهداً على هذه العودة، ولتمضِ المواعين النهرية في رحلتها من جديد، حاملةً معها ليس فقط البضائع، بل أحلام وطنٍ يستحق أن ينهض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى