تقارير

*مخاطر الفضاء المفتوح وتحصين الأسرة سمنار بالنيل الأبيض يقرأ “آثار الميديا على المجتمع”*

 

تقرير – صديق السيد البشير
siddigelbashir3@gmail.com

نافذة على منصات التأثير

تحت شعار “معاً.. لبيئة آمنة لأطفالنا ومجتمع أفضل”، عُقد بسمنار متخصص أُطلق عليه “آثار الميديا على المجتمع” نقاش عميق فتح نوافذ مهمة على الشاشات والموجات والمنصات، ومدى تأثيراتها على الشرائح المجتمعية المختلفة.
وحشد السمنار_الذي نظمته وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل بقطاع التنمية الاجتماعية بوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بولاية النيل الأبيض، بقاعة القطاع ظهر الأحد 18 أكتوبر 2026م _ نخبةً من المشتغلين بحقل الدراسات الاجتماعية والدعوية والإعلامية.
سلاح ذو حدين وتهديد للنسيج الاجتماعي
وأكدت الأستاذة سوزان عبد الرزاق، مدير وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل بالنيل الأبيض، على مخاطر الوسائط الحديثة، معلنةً عن توصيات حاسمة للحد من الآثار السلبية لـ “الميديا”.
وأوضحت سوزان – في تصريح صحفي خاص عقب ختام السمنار الذي شهد مشاركة واسعة من ممثلي الجامعات، ومركز المعلومات الولائي، وإدارة الصحة النفسية، ووزارة الرعاية الاجتماعية، والأئمة والدعاة – أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكل سلاحاً ذا حدين وخَطَراً متزايداً على النسيج الاجتماعي، لا سيما النساء والأطفال في المنازل.

الدراما والتوعية الرقمية

وشهدت الفقرة الافتتاحية عرض فيلم يناقش الآثار الصحية والنفسية لوسائل التواصل الاجتماعي والاستخدام المفرط للهواتف الذكية؛ كالتوتر والأرق وضعف الاستيعاب والتحصيل الأكاديمي، وظهور سلوكيات جديدة لدى الأطفال، مع دعوات صريحة لمراقبة نوعية المحتوى المقدم لهم. كما تفاعل الحضور مع عرض مسرحي قدمته مجموعة “الهزيم” للفنون الأدائية عكس الرسالة التوعوية للسمنار.

اختراق الخصوصية والتأثير النفسي

من جانبه، استعرض المهندس علي آدم، مدير مركز المعلومات بولاية النيل الأبيض، نقاطاً جوهرية تكشف الآثار السلبية للميديا المتثلة في تسريب ونشر الوثائق الحكومية شديدة السرية، داعياً الجميع إلى الاستخدام الإيجابي للمنصات الرقمية.
بدورها، تناولت الأستاذة إمتثال فيصل، مديرة منظمة الأمل، التأثيرات النفسية والاجتماعية لوسائل التواصل، ومجمل السلوكيات الدخيلة كالترويج لخطاب الكراهية، وزيادة الاضطرابات النفسية، وانخفاض تقدير الذات، وارتفاع حدة العنف لدى الأطفال. وأشارت إمتثال إلى صعوبات تعديل ومعالجة السلوك التي قد تستغرق سنوات، رغم تأكيدها على الجوانب الإيجابية للتكنولوجيا متى ما حُسن استغلالها.

الرؤية الدينية والرقابة الذاتية

ومن منظور ديني، أكد الداعية سعد بابكر أن الإسلام لا يقف ضد التطور والتقدم ومواكبة مستجدات العصر، مقدماً “روشتة” ناجعة لأولياء الأمور للحفاظ على تماسك الأسرة وتلافي آلام الميديا.
وأوصى بابكر بتعميق الرقابة الذاتية وشعور المعية الإلهية، إلى جانب الرقابة الأسرية واختيار البيئة الرقمية الصالحة، وتنظيم الندوات وإجراء البحوث، مشدداً على أهمية صناعة محتوى هادف يقدم عبر وسائل الإعلام المختلفة ليخاطب العقول والأبصار والأسماع.

القانون في مواجهة الجريمة الإلكترونية

دعا مولانا أبشر دلدوم، وكيل نيابة جرائم المعلوماتية بولاية النيلالأبيض، إلى تكثيف برامج التوعية المجتمعية تحصيناً للأفراد والمجتمعات، والتعريف بقضايا النشر، وانتهاك الخصوصية، وانتحال الشخصية، والسخرة، وتبعات النشر الضار من أخبار كاذبة تفتقر للإثباتات والوثائق.

رؤى متكاملة لتحويل النقمة إلى نعمة

وركز الأستاذ سنهوري أحمد، مدير الرعاية الاجتماعية بقطاع التنمية الاجتماعية، في تعقيبه على أهمية موضوع السمنار لكونه يمس كافة قطاعات المجتمع، فيما دعا الأستاذ يحيى الحلو إلى تحويل “نقمة” الميديا إلى “نعمة” يستفيد منها الجميع، وهو ما أمن عليه المتحدثون بضرورة التعاطي الجاد مع هذه القضايا الحيوية.
من جهتها، شددت د. كوثر الطاهر، من مجلس رعاية الطفولة بالولاية، على أهمية التوعية عبر المساجد والجامعات والمدارس والمراكز المجتمعية للحد من الآثار السالبة للميديا.
الذكاء الاصطناعي والتحدي الأكاديمي
وأوضحت الأستاذة سوزان عبد الرزاق أن السمنار ناقش أربع أوراق عمل علمية سلطت الضوء على ممارسات خاطئة؛ كترك الهواتف بين أيدي الأطفال دون رقابة مما يعرضهم للاستغلال الرقمي، إضافة إلى ظهور سلوكيات تمس المرأة كَالتعرض للرسائل والمحتويات غير المرغوب فيها.
وعلى الصعيد الأكاديمي، حذرت مديرة الوحدة من الاعتماد المفرط لبعض الطلاب والباحثين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي على حساب المراجع العلمية والكتب والمكتبات الرصينة.
وأضافت: “رغم السلبيات، فإن للميديا جانباً إيجابياً استغلته الوحدة كـ (خط ساخن) ومنصة لتلقي البلاغات وتنسيق خدمات الدعم والرعاية”.

توصيات عملية ومبادرات قيمية

وكشفت الوحدة عن أبرز توصيات السمنار، والتي شملت: التنسيق مع وزارة التربية والتوجيه: لتعميم التوعية بمخاطر السوشيال ميديا عبر الطوابير المدرسية مع انطلاقة العام الدراسي، مع تفعيل دور الأئمة والدعاة، لتناول القضية في خطب الجمعة والندوات الدينية لرفع الوعي الأُسري.
وفي سياق متصل، أكد الدكتور محمد بابكر بردسول، مدير قطاع التنمية الاجتماعية بوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بالولاية، على أهمية العمل التكاملي بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني. وأعلن عن إطلاق “مشروع نهضة القيم” قريباً بالشراكة مع وزارة التربية والتوجيه لترسيخ الأخلاق والأمانة والإخلاص لدى النشء.
كما أشاد د. بردسول بالدور البارز لإعلاميي ولاية النيل الأبيض والوسائل الإعلامية في نقل الرسائل التنموية والإنسانية وإيصال صوت القطاع للمجتمع.

التزامات تنفيِذية وفنية

أعلن الأستاذ محمد علي البلة، مسجل الجماعات والفرق بقطاع الثقافة والإعلام بالولاية، عن توجيه الفرق الفنية والثقافية لإنتاج محتوى فني وهادف يترجم توصيات السمنار.
من جانبه، أكد الأستاذ إسماعيل علي آدم، وزير التربية والتوجيه بالولاية، تحويل التوصيات إلى برامج عمل تربوية بالمدارس، مؤكداً أن السمنار يمثل رسالة تربوية شاملة.

العودة للأصالة المدرسية

وشدد الوزير إسماعيل علي آدم على الدور المحوري للأسر في التربية التي تبدأ من البيت وتتكامل في المدرسة، معرباً عن تطلعات الوزارة للعودة إلى الأصالة المدرسية وإحياء “الفلاحة المدرسية” والأنشطة الأدبية والعملية تقليلاً للإدمان الرقمي والهواتف الذكية. كما دعا إلى تعزيز مكانة المعلم الاجتماعية والمهنية ليكون قدوة للأجيال، مستعرضاً سير الامتحانات ومثمناً دعم الإعلام والمنظمات للمسيرة التعليمية.

في زمن الفضاء المفتوح

تُعلمنا تجارب الحياة أن الشاشات – مهما اتسعت – لا يمكنها أن تبني وجداناً، وأن التربية الواعية هي الدرع الأقوى لحماية الأطفال والأسرة في زمن الفضاء المفتوح. إن مسؤوليتنا لا تتوقف عند المنع، بل تمتد لغرس الرقابة الذاتية والقدرة على التمييز. بالحوار المتزن والتوعية المستمرة نمنح أبناءنا البوصلة للاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، لنعبر بهم إلى بر الأمان ونبني معاً بيئة آمنة لأطفالنا ومجتمعاً أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى