مقالات

نبض الناس :خليل فتحي خليل :ازمة المياه وعذاب مواطن كوستي

 

في كوستي، المدينة التي تعانق النيل وتستند إليه كقلب نابض بالحياة، يظل مشهد العطش مفارقة موجعة لا تخطئها العين. كيف لمدينةٍ تحيطها المياه من كل جانب، أن تظمأ؟ وكيف لمشروعٍ بحجم محطة “جايكا” اليابانية، الذي انتظره الناس طويلًا كفجرٍ للخلاص، أن لا يطفئ ظمأ الأحياء؟ بين صمت المواسير الجافة، ونداءات النساء عند نقاط المياه، وحيرة الأطفال الذين لا يفهمون لماذا ينقطع الماء، تتشكل حكاية يومية من المعاناة. إنها ليست مجرد أزمة خدمات، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على تحويل الموارد إلى حياة كريمة، ولقدرتنا جميعًا على مواجهة الحقيقة دون تجميل أو تأجيل.
المشكلة لم تعد تحتمل توصيفًا عابرًا أو معالجات جزئية. انقطاع المياه في أغلب أحياء كوستي يشير بوضوح إلى خلل عميق، ربما في البنية التحتية، أو في إدارة وتشغيل المحطة، أو في شبكات التوزيع التي لم تعد قادرة على مواكبة التوسع السكاني. وربما تتداخل كل هذه الأسباب، لتنتج واقعًا لا تُجدي معه الحلول المؤقتة، ولا تنفع فيه سياسة “الترقيع” التي سرعان ما تتلاشى آثارها. إن الاعتماد على المعالجات الإسعافية لم يعد خيارًا، لأن الأزمة أكبر من أن تُحتوى بمسكنات.
كوستي اليوم تحتاج إلى وقفة صادقة، تبدأ بتشخيص علمي دقيق للمشكلة، يشارك فيه المختصون والخبراء، ويعتمد على بيانات حقيقية لا على التقديرات. تحتاج إلى مراجعة شاملة لمحطة “جايكا” نفسها: هل تعمل بكامل طاقتها؟ هل هناك أعطال فنية؟ هل تعاني من ضعف في الصيانة أو نقص في التشغيل؟ كما أن شبكات التوزيع بحاجة إلى إعادة نظر، فالمياه قد تكون متوفرة في المصدر، لكنها تضيع قبل أن تصل إلى المواطن، إما بسبب تهالك الأنابيب، أو التسرب، أو سوء التخطيط.
ثم تأتي مسألة الإدارة، وهي حجر الزاوية في أي مشروع خدمي. فحتى أفضل المشاريع يمكن أن تفشل إذا غابت الإدارة الرشيدة، وإذا لم تكن هناك متابعة ومحاسبة واستشراف للمستقبل. المواطن في كوستي لا يطلب المستحيل، بل يطلب حقًا بسيطًا: أن يجد الماء في صنبوره عندما يحتاجه، دون معاناة أو انتظار.
خاتمة
إن أزمة المياه في كوستي ليست قدرًا محتومًا، بل تحدٍ يمكن تجاوزه إذا توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الواضحة. الحل لا يكمن في إرسال تناكر المياه، ولا في وعودٍ تُقال ثم تُنسى، بل في مشروع متكامل يبدأ من التشخيص وينتهي بالتنفيذ والمتابعة. مشروع يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويؤكد أن حقوق الناس ليست محل مساومة أو تأجيل.
إن النيل الذي يجري بالقرب من كوستي يجب أن يكون رمزًا للحياة، لا شاهدًا على العطش. وما بين الواقع المؤلم والأمل الممكن، تبقى المسؤولية مشتركة، لكن الكلمة الفصل بيد من يملكون القرار. فإما أن تُكتب لهذه المدينة قصة نجاح تُروى للأجيال، أو تستمر معاناة تُثقل كاهل الناس يومًا بعد يوم.
كوستي تستحق الأفضل… وأهلها يستحقون ماءً لا ينقطع.
وساظل انا ابحث عن نبض الناس ح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى