

يُعد علم النفس من العلوم التي تُستخدم لفهم السلوك الإنساني ودوافعه، إلا أن توظيفه في المجال العام قد يحمل آثاراً سلبية عندما يُستغل للتأثير على الرأي العام بصورة غير واعية أو موجّهة. ويظهر هذا الاستخدام بشكل واضح في فترات الأزمات السياسية أو الاجتماعية، حيث يتم الاعتماد على مبادئ نفسية للتأثير في اتجاهات الجماهير واستجاباتهم الانفعالية.
*ومن أبرز الجوانب النفسية التي تُستغل في التأثير سلباً على الرأي العام :*
*الاستثارة الانفعالية
تعتمد بعض الخطابات العامة على إثارة مشاعر الخوف أو الغضب أو الإحباط، لما لهذه الانفعالات من تأثير مباشر في تقليل التفكير العقلاني وزيادة الاستجابة الاندفاعية، مما يسهل توجيه المواقف الجماهيرية نحو مواقف تصادمية.
*سيكولوجية الحشود
توضح نظريات علم النفس الاجتماعي أن الفرد داخل الحشد قد يفقد جزءاً من استقلالية تفكيره، ويميل إلى تبني سلوك الجماعة دون تمحيص، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد جماعي غير محسوب يساهم في شق الصف المجتمعي.
*بناء صورة “العدو”
يُستخدم أحياناً أسلوب التصنيف النفسي القائم على (نحن/هم)، حيث يتم تعزيز الشعور بالانتماء لفئة معينة مقابل تصوير فئة أخرى كمصدر للتهديد، مما يعمّق الاستقطاب ويضعف التماسك الوطني.
*التكرار والتطبيع النفسي
تشير الدراسات النفسية إلى أن تكرار الرسائل، حتى وإن كانت غير دقيقة، قد يؤدي إلى تقبّلها تدريجياً باعتبارها حقائق، خاصة في ظل غياب التفكير النقدي أو المصادر البديلة للمعلومة.
*استغلال الإحباط الجمعي
في المجتمعات التي تعاني من ضغوط اقتصادية أو اجتماعية، يكون الأفراد أكثر قابلية للتأثر بالخطابات التي تفسّر معاناتهم تفسيراً مبسطاً أو تُرجعها إلى سبب واحد، مما يوجّه الرأي العام نحو مواقف احتجاجية حادة قد تفتقر إلى حلول واقعية.
وقد أظهرت بعض التجارب المعاصرة، مثل بعض الدعاوي التي بدأت تظهر بعد فترة الحرب للخروج ضد الجيش أو النظام العسكري بالسودان وتصويره في هيئةالعدو ، كذلك خير مثال الإحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في مراحل مختلفة، أن توظيف هذه الأبعاد النفسية في الخطاب العام مما أسهم في زيادة حدة الاستقطاب الاجتماعي، وأدى إلى توترات داخلية أثّرت على الاستقرار العام، دون أن تحقق نتائج إصلاحية مستدامة.
*الخلاصة*
إن استخدام علم النفس في التأثير على الرأي العام يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين؛ فبينما يُفترض أن يُوظف في تعزيز الوعي والحوار الإيجابي، فإن استغلاله بصورة سلبية قد يؤدي إلى خلخلة بنية الدولة، وإضعاف الثقة المجتمعية، وتعميق الانقسام. وهنا تظهر جلياً أهمية الوعي النفسي والإعلامي لحماية المجتمعات من التأثيرات السلبية الموجّهة.



