
في كوستي، حيث ينساب النيل هادئًا في ظاهره عظيمًا في جوهره، لا تُقاس الأشياء بمظاهرها، بل بما تخبئه في عمقها من معاني.
وهناك… في تلك المدينة التي تنام وتصحو على إيقاع الماء، يتشكل إنسانٌ يشبه النيل حدّ التطابق: صافي السريرة، واسع القلب، كريم العطاء، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا.
إنسان كوستي لا يصنع الخير ليُرى، بل يفعله لأنه لا يستطيع إلا أن يكون كذلك.
العطاء عنده ليس موقفًا عابرًا، بل هو أسلوب حياة، وسلوك متجذر في الروح، كجريان النيل الذي لا يتوقف ولا يلتفت لمن يصفق له أو يغفل عنه.
وحين تقترب أكثر، وتدخل تفاصيل الحياة اليومية، ستجد أن سر هذا الإنسان لا يكمن فقط في فرديته، بل في مجتمعه… في تلك الأحياء القديمة التي صنعت المعنى الحقيقي للانتماء.
في الحلة الجديدة، حيث البيوت متقاربة كقلوب أهلها، لا يُغلق باب دون جار، ولا تُخفى ضائقة دون أن تجد من يحملها معك.
هناك، الجار ليس مجرد ساكن بجوارك، بل هو امتداد لك، يعرف همك قبل أن تنطق، ويقف معك دون أن تُطلب منه الوقفة.
وفي حي النصر، الاسم ليس صدفة… بل هو انعكاس لروح أهله، الذين انتصروا للمحبة على القسوة، وللتكافل على الأنانية.
ترى بينهم ترابطًا عجيبًا، كأنهم أسرة واحدة، يجمعهم الفرح كما يجمعهم الحزن، لا يتأخر أحدهم عن الآخر، ولا يُترك إنسانٌ لمواجهة الحياة وحده.
أما حي أزهري، ففيه من الطيبة ما يشبه نسيم المساء على ضفاف النيل.
أهله يعرفون بعضهم بعضًا بالاسم والتاريخ والحكاية، يتبادلون السلام قبل الكلمات، ويصنعون من تفاصيل يومهم البسيطة لوحة إنسانية نادرة في زمنٍ تباعدت فيه القلوب.
وفي المرابيع، تلك البقعة التي تختزن ذاكرة المدينة، تجد المعنى الحقيقي للألفة.
هناك، لا يُسأل الغريب من أنت، بل يُقال له تفضل… وكأنك واحدٌ منا منذ زمن.
تختلط الأصوات، وتتعانق الأرواح، ويصبح المكان أكثر من مجرد حي… يصبح وطنًا صغيرًا داخل وطن.
هذه الأحياء ليست مجرد جغرافيا، بل هي مدارس مفتوحة في القيم.
تعلم الناس كيف يكونون بشرًا قبل أن يكونوا أفرادًا، وكيف يكون العطاء طبيعيًا كالتنفس، لا يحتاج إلى مناسبة ولا إلى إعلان.
إنسان كوستي، ابن هذه البيئات، خرج منها محمّلًا بكل هذا الإرث النبيل.
لذلك لا تستغرب حين تراه يقدم الخير بصمت، أو يمد يده دون تردد، أو يشاركك لقمة عيشه دون أن يشعر أنه فعل شيئًا يستحق الذكر.
هو إنسان تربّى على أن الناس للناس، وأن الوقوف مع الآخر ليس فضلًا بل واجب.
تجده في الشدة أول الحاضرين، وفي الفرح أكثرهم صدقًا، وفي الغياب أثره باقٍ لا يُمحى.
وكما أن النيل لا يختار من يرويه، كذلك إنسان كوستي لا يميز في عطائه.
يعطي للجميع، يحتضن الجميع، ويؤمن أن الخير إذا لم يعمّ، يفقد معناه.
في زمنٍ تغيّرت فيه الموازين، وصار العطاء يُقاس بالمردود، تظل كوستي تقدم نموذجًا مختلفًا…
نموذجًا يقول إن الإنسان يمكن أن يكون نقيًا كما خُلق، وأن القيم لا تموت إذا وجدت من يحرسها في القلوب.
إنسان كوستي…
ليس مجرد عنوان لمقال، بل هو شهادة حية على أن السودان ما زال بخير،
وأن في مدنه من يشبهون النيل…
يعطون كثيرًا، يصبرون طويلًا، ويظلون أوفياء لأنفسهم مهما تغيّر العالم من حولهم.
فطوبى لتلك الأحياء التي صنعت هذا الإنسان،
وطوبى لإنسانٍ اختار أن يكون… كما النيل،
لا ينضب عطاؤه… ولا تنكسر محبته.


