
في صباحٍ من صباحات الخرطوم التي غمرتها آمال واحلام الثورة الهلاميه، كان المشهد أشبه بلوحة رمزية تُلخّص روح التغيير. رجل نحيل، يحمل في عينيه بريق المبدأ، يمتطي دراجته الهوائية ويرتدي زي رياضي خوذه واقيه على راسه، يشقُّ طريقه نحو القصر الجمهوري ظنه الجميع متسابق متقدم على اقرآنه المتسابقين فوجئ طاقم الحراسه لبوابة القصر الجمهوري بوقوف الرجل امام البوابه يطلب الدخول كما تفآجأ من قبل العم النور صاحب دكان بحي الصحافه مربع 15 بأشعة الشمس تسطع من اعلى السقف واتضح له ان لصا تسلل الى داخل الدكان عن طريق فتح نافذه في اعلى السقف . لم يكن منظر ركوب الدراجه مجرد انتقال جسدي من الشارع إلى السلطة، بل كان تجسيدًا لحلمٍ جماعي، أن يأتي يومٌ يصبح فيه البسيط ممثلاً للشعب في أعلى مؤسسات الدولة.
ذلك الرجل كان محمد الحسن التعايشي، أحد وجوه قوى الحرية والتغيير، ومن رموز خطاب الثورة المدنية التي بشّرت بالتحول الديمقراطي والعدالة والسلام كما يبشر العريس في ليلة زفافه.
لكن، سرعان ما تتغير الصور حين تصطدم بالشهوة القديمة للسلطة!
فما بين صورة التعايشي على الدراجة، وصورته اليوم وهو يعلن تأييده الصريح لمليشيا الجنجويد وتأييده لتكوين حكومة تأسيس، تتساقط رمزية الثورة كورق الخريف، وتُطرح الأسئلة المؤلمة:
كيف تحوّل خطاب “المدنية المزعومه أولاً” إلى تبريرٍ لسلطة السلاح؟
وكيف تحوّل مناصِر الضحايا إلى حليفٍ لمن وُصِفوا بأنهم الجلادون وانهم جنجويد رباطه والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل وسايقا صلاح سايقا عصام وقلبا يمين وقلبا شمال؟
مشهد التعايشي الجديد لا يمكن قراءته بمعزل عن مشهد السودان الراهن؛
ربما أراد الرجل أن يبرر موقفه بالواقعية السياسية، أو بمنطق “التحالف مع الأقوى لإنقاذ الشعب وتحقيق الديمقراطيه عن طريق تشريده ونهب امواله ” او لربما اراد ان يقول الغايه تبرر الوسيله، لكن هذا التبرير المتصدع لا يمحو أثر الصدمة. فالتناقض بين الأمس واليوم ليس مجرد اختلاف في التكتيك، بل في جوهر الفكرة التي قامت عليها الثورة الكرتونيه نفسها.
لقد صار التعايشي، في نظر الكثيرين، تجسيدًا حيًّا لمأساة النخبة السياسية السودانية: تلك التي بدأت مشوارها على دراجات البساطة، وانتهت راكبة عربات النفوذ، ترفع شعارات الثورة وتعيش واقعًا يناقضها.
ومهما حاول تبرير مواقفه، فإن ذاكرة الجماهير ستظل تستحضر المشهد الأول مشهد الدراجة كرمزٍ لطهارة البدايات، وتقابله اليوم بصورةٍ باهتة لرجلٍ غاب عنه ضوء المبدأ وسطوع المعتقدات وسط عواصف الحرب وركام المصالح.وفي نهاية المطاف، سيبقى التعايشي مثالًا صارخًا على مأزق النخبة التي خانتها البوصلة الأخلاقية وسط ضجيج البنادق. فالتاريخ لا يرحم من يبدّل المواقف كما تُبدَّل الشعارات، ولا يغفر لمن يبيع الحلم الجمعي بثمن السلطة أو النجاة الفردية.
قد تُنسى الخطب والتصريحات، لكن صورة الرجل على دراجته نحو القصر ستظل عالقة في ذاكرة الشعب لا كذكرى بطولية فحسب، بل كمرآةٍ تذكّر الأجيال بأن الطريق إلى الكراسي مفروشٌ غالبًا بخيانة البدايات.
ماهكذا ياتعايشي تكون النهايات!
نصر من الله وفتح قريب


