مقالات

همس الحروف… شهيد الواجب الملازم شرطة محمد عثمان أبكر… د. الباقر عبد القيوم علي

العلا برس

 

رجال الشرطة السودانية في كل يوم يذهبون بأرجلهم إلى مواقع الخطر بكل قوة وثبات وهم يعرفون جيداً أن الطريق الذي إختاروه قد لا يعيدهم إلى بيوتهم مرة أخرى ، ويحملون أرواحهم على أكفهم ، ويخرجون لأداء واجبهم ، فيما ينتظرهم في الجانب الآخر أم ، وأب ، وزوجة ، وأبناء ، وأهل لا يعرفون أن لحظة الوداع قد تكون أقرب مما يتخيلون .*أ

 

هكذا مضى الملازم محمد عثمان أبكر إلى واجبه ، فكانت مداهمة أوكار مروجي وموزعي المخدرات في القولد آخر مهمة يؤديها في هذه الدنيا ، فقد تعرض لإطلاق نار غادر ، وسقط شهيداً في ميدان الشرف ، تاركاً خلفه سيرة رجل إختار أن يقف في الصف الأول ، لأن الوطن كان في حاجة إلى من يقف في هذا المكان لسد هذه الثغرة .

 

المهمة التي نفذها الملازم شرطة محمد كانت مواجهة مع خطر يتسلل إلى كل البيوت في هدوء تام ، ويختطف أعمار شبابنا وأحلامهم ومستقبلهم ، ويدمر الأسر بصمت ، فالمخدرات اليوم لم تعد قضية هامشية يمكن النظر إليها بإعتبارها جريمة كمختلف الجرائم ، ففي تعريفها هي آفة تنخر في عظام شبابنا ، وتستنزف طاقة المجتمع ، وتضرب الأسرة في صميمها ، وتترك خلفها أرواحاً مكسورة وبيوتاً فقدت أبنائها .

 

وهكذا تبدو المعركة ضد المخدرات في جوهرها معركة دفاع عن الإنسان قبل أن تكون مطاردة للمجرمين الذين يتاجرون فيها ، وفي هذه المعركة تقف الشرطة في وجه الخطر بصورة يومية ، ورجالها يتحركون في أوقات لا يراهم فيها أحد ، يدخلون إلى مواقع يعلمون أنها تخفي الموت في داخلها ، ولكن رغم ذلك فهم في الميدان ، ويتعاملون مع شبكات إجرامية لا تتردد في إستخدام العنف إذا شعرت بتهديد مصالحها .

 

وكلما ظن الناس أن الخطر ما زال بعيداً عنهم ، كان هناك شرطي يقف في هذا المكان يؤدي واجبه ، وكلما نامت أعيننا ، بقيت هنالك عيون تراقب وتحرس وتطارد الخارجين على القانون .

 

والشرطة التي تفقد اليوم الملازم محمد عثمان أبكر ، فقد قدمت في سبيل واجبها شهداء كثر ورجال دفعوا أعمارهم ثمناً لأمن الناس وسلامة المجتمع ، إنها تضحيات قد لا تُرى كلها في الأخبار ، وكما لا تُكتب تفاصيلها دائماً ، ولكنها موجودة في كل شارع آمن ، وفي كل عملية تنجح في ضبط مجرم ، وفي كل شحنة مخدرات تجد طريقها إلى قبضة العدالة قبل أن تصل إلى أيادي الشاب .

 

لقد أصبح واضحاً أن الحرب على المخدرات تستهدف شبابنا في واحدة من أخطر مراحلها ، وتستهدف أعمار صغيرة يفترض أن تكون في مقاعد الدراسة ، وفي ميادين العمل ، وفي بناء المستقبل ، فعندما يتحول المخدر إلى سلعة تتنافس على توزيعها الأيادي الإجرامية الخفية ، يصبح الشعب كله أمام خطر يتطلب يقظة مستمرة ومواجهة بدون أي تهاون .

 

ومن هنا تأتي قيمة ما فعله الملازم محمد عثمان ورفاقه ، الذين وقفوا في المكان المحدد الذي إختار فيه آخرون من بني جلدتنا الاتجار بآلام الناس .

 

رحل محمد وبقي الواجب الذي خرج من أجله ، نسأل الله أن يتقبله قبولاً حسناً ، وأن يكتب له أجر ما قدم ، وأن يجعله في سجل الشهداء ، وأن يجعل دمه الطاهر شاهداً له في يوم اللقاء .

 

اللهم أنزل على قبره نوراً وسكينة ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، اللهم اربط على قلب أسرته ، وألهم والديه وأهله وذويه الصبر والثبات ، وأجبر كسرهم جبراً يليق برحمتك با ارحم الراحمين .

 

أحر التعازي وصادق المواساة لأسرة الشهيد الملازم محمد عثمان ، ولأسرته الكبيرة في الشرطة السودانية ، ولزملائه ورفاقه ، ولجميع منسوبي الشرطة في كل ثغور السودان ، ولأهل القولد ودنقلا والولاية الشمالية بكل محلياتها ، ولكل من عرف هذا الرجل ، وعرف قيمة ما كان يؤديه من واجب ، ورحم الله كل شرطي حمل واجبه وذهب إلى حيث الخطر .

 

وحفظ الله شباب السودان من آفة المخدرات ، وأعان الشرطة وكل الجهات التي تقف في وجه هذه الجريمة النكراء ، حتى لا تتحول سمومها إلى مستقبل يُنتزع من بين أيدينا أبنائنا ونحن في غفلتنا .

 

نم قرير العين يا محمد ، رحلت بكل رجولة في الصف الذي إخترته ، شهيداً وأنت تؤدي واجبك تجاه الله والوطن .

 

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين

elbagirabdelgauom@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى