بورتسودان، المراوح في (إجازة مفتوحة).. والحصول على قطعة ثلج (رفاهية وبحبوحة)
بورتسودان يونس سراي

*وسط موجة حر استثنائية تُلهب الشوارع وتُكاد تُشوي الأرواح، تقف مدينة بورتسودان كأنها على فوهة جحيم، تُقاوم بصبر أبنائها وصمت مسؤوليها*
*في المدينة التي أصبحت مأوى للنازحين واللاجئين والمُهجّرين من نيران الحرب، لم يعد لليل لُطف، ولا للنهار رحمة… فقط أجساد تقاوم، وقلوب تئنّ، وسلطة لا تكترث*.
—
*درجات حرارة تلامس الموت… والتيار الكهربائي في غيبوبة*
*مع تسجيل درجات حرارة تلامس الـ50 مئوية، انقطعت الكهرباء كما لو أن الشركاء فيها قرروا إعلان الإضراب دون إخطارٍ مسبق، تاركين خلفهم أطفالًا يتصببون عرقًا، وشيوخًا يلهثون بحثًا عن نسمة، ونساء حوامل يختنقن في غرف مغلقة بلا تبريد*
*المستشفيات هي الأخرى لم تكن بمنأى عن الانهيار: مرضى الأمراض المزمنة والمنوّمون في العناية المركزة يُصارعون الموت تحت أجهزة تتنفس بصعوبة… أو لا تتنفس أصلاً*
—
*من المسؤول؟ سؤال بلا (عنوان)*
*لا أحد يريد أن يُجيب على السؤال البسيط:من المسؤول عن موتٍ يُمكن تجنّبه؟*
*صمتٌ مطبق من مسؤولي الكهرباء، وتلكؤ في التصريحات، وكأنّ الأمر لا يتعدى عطلًا بسيطًا في مصباح غرفة، لا عجزًا كارثيًا أصاب مدينة كاملة في شريانها الحيوي*.
—
*هؤلاء لا يحتملون… ولا يحتمل الخطأ معهم*
*الأزمة طالت الفئات الأضعف؛ :*
*الأطفال الذين لا يعرفون سوى البكاء حين يشتد الحر ويجف الحلق*
*النساء الحوامل اللواتي يُكابدن ضيق التنفس والدوار بلا تهوية*
*المرضى الذين يحتاجون إلى ثلاجات لحفظ الأدوية، أو أجهزة تُنقذ حياتهم بالدقيقة والثانية*
*كبار السن الذين لا تملك أجسادهم مقاومة الطبيعة القاسية*
*عمال الشحن والتفريغ في الميناء الذين يُلقون بأجسادهم تحت الشمس لساعات طويلة، بلا ظلّ، ولا شربة ماء، ولا حتى اعتراف رسميّ بأن ما يحدث يتجاوز الطاقة البشرية*
—
*كلاناييب وسُقيا… بصيص ضوء وسط عتمة الصمت*
*ما بين عجز المؤسسات، وسطوع المعاناة، ظهرت إشارات خجولة لحياة*
*مبادرة لجنة تشغيل محطة كلاناييب، التي أعادت الأمل، بلا تمويلٍ حكومي ولا صفقات، فقط بجهد شبابٍ آمنوا بأن واجبهم لا يُؤجَّل*
*مبادرة سقيا الماء والعصائر، حيث وقف شباب وفتيات، يوزعون الماء البارد على العطشى في الأحياء والمراكز، بقلوب أكبر من سلطاتنا، وإحساس أنبل من تصريحاتهم*
—
*في انتظار من؟*
*ربما من الحرج أن نسأل:*
*أين الجمعيات الحقوقية؟*
*أين شبكات الصحفيين؟*
*أين الأجسام المطلبية* *و”المهنيين” الذين كان صوتهم يملأ المنابر؟*
*هل استبدلوا “همّ الناس” بـ”هاشتاق الحنين”؟*
*أم أن بورتسودان لا تدخل ضمن خارطة التأثير الرقمي؟*
*دعوة لتحقيق… قبل أن يصبح التحقيق في الوفيات لا القطوعات:_*
*من هنا، نرفع مناشدتنا لرئيس مجلس الوزراء، لتشكيل لجنة تحقيق عاجلة تُراجع أداء قطاع الكهرباء، وتُخضع المسؤولين فيه للمساءلة، لا مجاملة*
*لجنة لا تكتفي بالرصد، بل تُعلن النتائج وتُحيل( المهمل للمحاسبة)*
—
*بورتسودان اليوم لا تحتاج إلى تصريح صحفي ، ولا إلى وعود مؤجلة*
*تحتاج إلى من يسمع (ويضمد جراحها) ، لا من (يتأسف فقط)*
*إلى من يُقرّ بأن ما حدث ليس طبيعيًا، ولا عابرًا، بل جريمة تقصير كاملة الأركان*
*وإذا كان المواطن يتحمّل( حرّ الصيف) ، (فلا يجب أن يُجبر على تحمّل برودة قلوب من خُوّل لهم أن يرعوه*.



