في الحرب ضد الطابور الخامس(7)* *وحدة البندقية والمصير: لماذا لن يخون المقاتلون وطنهم؟* : محمد الأمين عبدالعزيز
العلا برس

في خضم المعركة التي يخوضها السودان ضد تمرد مليشيا الدعم السريع، وفيما تتلاحم سواعد أبناء القوات المسلحة مع رفاقهم في حركات الكفاح المسلح على خطوط النار، ترتفع أصوات نشاز من حناجر مأجورة، أصوات لا تريد للوطن إلا السقوط في أتون الفوضى. إنها أبواق الطابور الخامس وقوى الشر التي تروج لفرية كبرى، وهم وأكذوبة مفادها أن تحالف القوات المشتركة مع الجيش ما هو إلا مرحلة مؤقتة ستعقبها خيانة أو انقلاب.!
*يسعون* من خلال همساتهم المسمومة إلى زرع بذور الشك والريبة بين الرفاق الذين يجمعهم خندق واحد وعدو واحد، متناسين أو متجاهلين عمداً حقائق الأرض والاجتماع التي تجعل من هذا التحالف قدراً محتوماً وضرورة لا غنى عنها.
إن أول وأقوى الأسباب التي تدحض هذه الأوهام الخبيثة يكمن في حقيقة أن هذا التحالف لم ينشأ من فراغ سياسي، بل ولد من رحم المعاناة المشتركة. لقد وجدت حركات الكفاح المسلح، خصوصاً في دارفور وكردفان، نفسها ومجتمعاتها في مواجهة مباشرة مع آلة القتل والتهجير الميليشياوية. رأت بأم عينها كيف استهدفت مليشيا الدعم السريع وجودها الاجتماعي والقبلي، وكيف سعت لتنفيذ مشروع تغيير ديموغرافي استيطاني يهدف إلى اقتلاع الإنسان من أرضه وتاريخه.
فكان الاصطفاف مع الجيش السوداني ليس مجرد خيار تكتيكي، بل ضرورة وجودية لحماية الأهل والعرض والأرض. فكيف لمن يقاتل دفاعاً عن بقاء مجتمعه أن يطعن في ظهر الحليف الوحيد الذي يقف معه في وجه *هذا الخطر الوجودي؟* إن من يطرح فكرة التمرد في هذا السياق، إما أنه لا يفقه شيئاً عن دوافع القتال الحقيقية، أو أنه شريك متواطئ في مشروع إبادة الهوية السودانية الذي يقوده المتمردون.
ثم يأتي *البعد الاجتماعي* متشابكاً ومعقداً كنسيج سوداني أصيل، ليضع متراساً آخر أمام دعاة الفتنة. فالقبيلة في السودان ليست دائماً عنواناً للصراع، بل هي في كثير من الأحيان جسر للتواصل والترابط. إن العلاقات القبلية والاجتماعية تتجاوز حدود المعسكرات والانتماءات العسكرية؛ فهناك تداخلات عميقة وتحالفات عابرة للانتماءات الضيقة.
تجد أن مقاتلاً في إحدى حركات الكفاح المسلح تربطه صلة قربى أو مصاهرة بجندي أو ضابط في القوات المسلحة. هذه الشبكة من العلاقات الإنسانية تخلق رباطاً اجتماعياً أقوى من أي مؤامرة، وتجعل من فكرة المواجهة الشاملة بيننا والجيش أمراً لا يستقيم مع منطق الواقع. إن الطابور الخامس، الذي لا يرى في السودان إلا ساحة للصراع، يعجز عن فهم أن دماء القربى وأواصر التاريخ المشترك قادرة على إخماد أي نار يحاولون إشعالها بين الإخوة.
أما السبب الجوهري الذي ينسف فكرة الانقلاب من أساسها، فهو الرفض الشعبي والسياسي العارم للنموذج الذي تمثله مليشيا الدعم السريع. لقد قامت هذه المليشيا على أساس قبلي ومناطقي ضيق، وسعت لفرض رؤيتها الأحادية على وطن يتنفس التنوع. هذا النموذج الإقصائي أثار فزع ومقاومة كافة المكونات السودانية الأخرى، التي رأت فيه خطراً على هويتها ومستقبلها في وطن يسع الجميع.
وفي مقابل هذا *المشروع الانعزالي*، اصطفت هذه المكونات، عبر كياناتها المسلحة، مع القوات المسلحة، ليس لأنها مؤسسة كاملة، بل لأنها تمثل، رغم كل شيء، فكرة “المؤسسة القومية” التي تحتضن كل أبناء السودان تحت راية واحدة. إن الانحياز للجيش هو انحياز لمشروع الدولة الوطنية الجامعة في مواجهة مشروع المليشيا القبلية الضيقة. ولهذا، فإن مهندسي الفوضى الذين يبشرون بانقلاب الحركات على الجيش، إنما يحاولون تزييف وعي الناس وطمس هذه الحقيقة الجلية: إن المعركة اليوم هي بين فكرة “الوطن للجميع” وفكرة “الوطن للفئة الواحدة”، وقد اختارت حركات الكفاح المسلح بوضوح تام أين تقف.
*في الختام*، ستبقى محاولات قوى الشر والطابور الخامس لشق الصف الوطني مجرد سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. فالروابط التي تجمع القوات المسلحة بحركات الكفاح المسلح أعمق من أن تنال منها شائعة، وأقوى من أن تكسرها مؤامرة. إنها روابط صاغتها ضرورة بقاء الدولة، ورسختها وشائج الدم والاجتماع، وثبتتها رؤية مشتركة لوطن واحد وموحد. إن وحدة البندقية اليوم ليست مجرد تحالف عسكري، بل هي تجسيد لمصير مشترك، وخط الدفاع الأخير عن هوية السودان وتاريخه ومستقبله في وجه أكبر خطر واجهه في تاريخه الحديث.
وسلام.. يتبع



