مقالات

مرور ثلاث سنوات على الحرب في السودان: جرحٌ إنساني مفتوح (2-4) المحور الاقتصادي. حرب التجريف وإحراق مقدرات الوطن

 

​​إذا كان المحور الإنساني قد كشف عن استهداف “الأرواح”، فإن المحور الاقتصادي يوثق لعملية “إعدام” ممنهجة لسبل العيش ومقدرات الدولة السودانية. لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية للسيطرة على الأرض، بل كانت حرب “إفقار وتجريف” استهدفت تحويل السودان من بلدٍ واعدٍ بموارده إلى ساحة للرماد والعدم.

​تدمير عصب الطاقة.. جرح النفط الغائر

لقد بلغت بشاعة الاستهداف الاقتصادي ذروتها بضرب قطاع النفط والغاز، وهو الشريان الذي يغذي مفاصل الحياة في البلاد. لم يتورع المتمردون عن حرق مصفاة الخرطوم (الجيلي) وتدمير منشآتها، وهي الصرح الاستراتيجي الذي كلف الدولة الكثير واستغرق بناؤه سنوات. وتشير الإحصائيات الأولية إلى أن خسائر قطاع النفط وحده بلغت حوالي 20 مليار دولار، ما بين تدمير للبنية التحتية، ونهب للمستودعات، وتخريب لخطوط الأنابيب، مما تسبب في شلل كامل لقطاعات النقل والإنتاج، وأدخل البلاد في ظلامٍ اقتصادي دامس.

​نهب المصارف وتصفير المدخرات

لقد شهد السودان أكبر عملية سطو مسلح على القطاع المصرفي في العصر الحديث. لم يكتفِ المتمردون بنهب الأموال السائلة، بل دمروا الأنظمة التقنية وسرقوا مقتنيات المواطنين في الخزن الخاصة من  ذهب واموال و تحولت مدخرات العمر التي كدح من أجلها السودانيون عقوداً طويلة إلى “غنائم” في أيدي المجموعات المتمردة، مما أدى إلى انهيار القوة الشرائية للمواطن الذي وجد نفسه فجأة “من مالكاً للمال.. الي فاقداً للقدرة على الوصول إلي ادني متطلبات الحياة.

​تدمير الصناعة وحرق الأسواق

شهدت المناطق الصناعية في الخرطوم دماراً يفوق الوصف؛ حيث تم نهب المصانع بالكامل ثم إحراقها لإخراجها عن الخدمة نهائياً. أما الأسواق الكبرى، التي كانت تمثل قلب السودان التجاري، فقد تحولت إلى ركام بعد عمليات نهب ممنهجة طالت مراكز التوزيع والمخازن الاستراتيجية، مما تسبب في ندرة حادة في السلع الأساسية وارتفاع جنوني في الأسعار أثقل كاهل المواطن.

​استهداف “سلة الغذاء” وتعطيل الإنتاج

لم ينجُ القطاع الزراعي—الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني من هذا الحقد. فقد استهدف المتمردون المشاريع الزراعية الكبرى، والمحاصيل في الجزيرة وسرقوا الآليات والمعدات، وعطّلوا سلاسل الإمداد، بهدف تركيع الشعب السوداني عبر “سلاح الجوع”، ووضع البلاد تحت رحمة المساعدات الخارجية والتبعية.

​عبقرية الصمود واقتصاد التكافل

وسط هذا الانهيار، تجلت عظمة الإنسان السوداني؛ فبينما كانت الميليشيا تهدم، كان المواطن يبني “اقتصاد الصمود”. نشأت أسواق بديلة في الولايات الآمنة، واستعاد الناس قيم “النفير الاقتصادي” عبر التكافل الشعبي. لقد أثبت السودانيون أن الروح المنتجة لا تموت بالنهب، وأن “البركة” في القليل المقتسم أقوى من جشع السارقين.

​إن ما تعرض له اقتصادنا يحتاج لسنوات من البناء، ولجهودٍ تتجاوز مجرد التعويض المادي إلى إعادة صياغة رؤية اقتصادية تحمي مقدرات الوطن من “هبّات الغدر”، وتؤكد أن من دمروا المصفاة والمصانع لا يملكون مشروعاً لبناء دولة، بل مشروعاً لهدم حياة.

​ في المقال القادم نتناول المحور العسكري والحديث عن صمود المؤسسة العسكرية وتجلي خبراتها والتفاف الشعب حولها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى