
في زمن الحرب، حين تتشقق الأرصفة من الخوف، وتغيب الضحكات من الوجوه، يبقى الفن أحد آخر الأشياء القادرة على ترميم الإنسان من الداخل. والفنان الحقيقي ليس ذلك الذي يقف فقط تحت أضواء المسرح والكاميرات، بل الذي يعرف كيف يحوّل الألم إلى أمل، والدمعة إلى رسالة، والوجع إلى حكاية تشبه الوطن. ومن بين هؤلاء الذين حملوا الفن على أكتافهم في أصعب الظروف، تبرز الممثلة الدرامية نايرة إسماعيل كواحدة من الأصوات الفنية التي ظلت مؤمنة بأن الدراما ليست ترفاً، بل ضرورة إنسانية ووطنية.
نايرة تنتمي إلى ذلك الجيل الجميل الذي صنع حالة من التواصل الحقيقي بين الأجيال في الدراما السودانية، جيل حمل البساطة دون تكلف، وقدم فناً يشبه الناس في تفاصيلهم اليومية. استطاعت أن ترسم لنفسها مكاناً خاصاً وسط المشهد الفني السوداني، ليس بالصخب، وإنما بالهدوء والموهبة والعمل المتقن. كانت قريبة من المشاهد، تدخل البيوت دون استئذان، لأن أداءها كان صادقاً وعفوياً يحمل روح السودان في ملامحه ولهجته ووجدانه.
وقد توهج اسمها بصورة كبيرة من خلال أعمالها مع الفنان الراحل الدعيتر، ذلك الثنائي الذي صنع لحظات درامية راسخة في ذاكرة الناس. كانت أعمالهما تحمل البساطة والرسالة والابتسامة، وتقدم قضايا المجتمع بروح خفيفة لكنها عميقة المعنى. ومن خلال تلك التجارب، أثبتت نايرة أنها ليست مجرد ممثلة تؤدي دوراً، بل فنانة تمتلك إحساساً عالياً بالشخصية والناس والحياة.
شخصية نايرة في الواقع تشبه كثيراً أدوارها؛ بسيطة في عظمة، متواضعة دون تصنع، وقريبة من الجميع. تمتلك حضوراً هادئاً لكنه مؤثر، وحين تتحدث عن الفن تشعر بأنها تؤمن برسالة حقيقية لا بمجرد مهنة. وربما لهذا السبب استطاعت أن تحافظ على احترام الجمهور ومحبتهم عبر السنوات.
وبسبب الحرب التي عصفت بالسودان، جاءت نايرة إلى مدينة كوستي واستقرت فيها مع أسرتها، وبرفقتها زوجها المخرج الألمعي محمد صديق. وقد شكّل الاثنان ثنائياً أنيقاً يجمع بين الفن والفكر والإنسانية. لم يأتيا إلى كوستي باعتبارها محطة نزوح فقط، بل حملا معهما مشروعاً للحياة وسط الخراب، ورسالة تقول إن الفن يمكن أن يقاوم الحرب أيضاً.
في كوستي، لم تجلس نايرة في مقاعد المتفرجين، بل نزلت إلى الناس، إلى معسكرات الإيواء، إلى الأطفال والنساء والنازحين، لتقول لهم عبر المسرح والكلمة إن الحياة ما زالت ممكنة. آمنت بأن الفن يمكن أن يكون دعماً نفسياً حقيقياً في زمن الانكسار، ولذلك قدمت مع عدد من المبدعين عروض “مسرح الشارع” في عز أيام الحرب، حين كانت الظروف قاسية والخوف يحيط بالجميع. لكنها كانت تدرك أن الإنسان يحتاج أحياناً إلى ضحكة صغيرة كي يواصل الحياة.
كما تعاونت مع إذاعة النيل الأبيض وقدمت مع المخرجه (وداد رحمة الله العوض) برنامج “كلام كبار”، ذلك البرنامج الذي حمل مضامين اجتماعية وإنسانية، واستطاع أن يلامس قضايا الناس البسطاء بلغة قريبة من القلب. ومن خلال هذا العمل، أكدت نايرة أن الفنان الحقيقي يستطيع أن يتحرك بين المسرح والإذاعة والدراما والتوعية المجتمعية بنفس الكفاءة والإخلاص.
نايرة إسماعيل من الفنانات المؤمنات برسالة الفن، لا الفن الذي يبحث عن الشهرة فقط، وإنما الفن الذي يحمل قيماً ويخاطب وجدان المجتمع. ولذلك ظلت حاضرة في المشهد الثقافي حتى في أصعب الظروف، وظلت تؤمن بأن السودان بلد غني بالتراث والحكايات والجمال، وأن واجب الفنان أن يحافظ على هذه الذاكرة الجمعية للأجيال القادمة.
واليوم، تمضي نايرة بثبات نحو مشاريع جديدة مستمدة من عمق التراث السوداني، مشاريع تؤكد أن الثقافة السودانية ما زالت قادرة على النهوض رغم كل ما حدث. وهي حين تشارك في أعمال تنتمي إلى التراث، فإنها لا تقدم مجرد عروض فنية، بل توثق للإنسان السوداني، لعاداته ولهجاته وأغنياته وطقوسه وحكايته الطويلة مع الحياة.
إن الحديث عن نايرة إسماعيل هو حديث عن فنانة اختارت أن تكون قريبة من الناس، وأن تجعل من الفن رسالة للوعي والمحبة والسلام. وفي زمن اختلطت فيه الأصوات، بقي صوتها يحمل شيئاً من طمأنينة السودان القديم، السودان الذي يؤمن بأن الفن يمكن أن يجمع الناس حتى وهم وسط العاصفة.
خاتمة
ستظل نايرة إسماعيل واحدة من الوجوه التي منحت الدراما السودانية روحاً مختلفة، لأنها لم تنفصل يوماً عن قضايا الناس وآلامهم وأحلامهم. وحين جاءت الحرب، لم تنكسر أمامها، بل حملت فنها ومضت نحو المجتمع لتزرع شيئاً من الضوء في زمن العتمة. هكذا يكون الفن الحقيقي… وهكذا يكون الفنانون الذين يشبهون أوطانهم في الصبر والجمال والقدرة على النهوض من جديد.



