
كلما اشتدت الأزمات، برزت أصوات تحاول أن تعيد المجتمع إلى مربعات الانقسام الضيقة، وكأن الوطن لا يقوم إلا على القبيلة أو الجهة أو العرق. ومؤخراً طفت على السطح كتابات تدعو، صراحة أو تلميحاً، إلى أن تكون الخدمة المدنية حكراً على أبناء مناطق أو قبائل بعينها، وهي دعوات لا تهدد مؤسسات الدولة فحسب، بل تضرب في عمق فكرة السودان الواحد الذي ظل، عبر تاريخه، يجمع الناس تحت راية المواطنة والعمل المشترك.
لقد كان السودان، وسيظل، أكبر من القبائل، وأوسع من الجهات، وأغنى بتنوعه الإنساني والثقافي الذي يمثل مصدر قوته لا سبب ضعفه.
في سنوات مضت، حين كانت الخدمة المدنية تُدار بروح الدولة، كان الموظف يُعيَّن حيث تحتاجه البلاد، لا حيث تنتمي قبيلته. كان ابن أقصى الشمال يعمل في أقصى الجنوب، وابن الشرق يخدم في الغرب، وابن كردفان يعمل في الجزيرة، وابن دارفور يؤدي واجبه في نهر النيل، دون أن يسأل أحد عن أصله أو قبيلته، لأن الجميع كانوا يؤمنون أن السودان وطن واحد، وأن الخدمة العامة رسالة وطنية قبل أن تكون وظيفة.
لقد كانت بيوت الموظفين مدارس حقيقية للوحدة الوطنية. كانت تضم سحنات مختلفة، ولهجات متعددة، وعادات متنوعة، لكنها جميعاً كانت تنصهر في بوتقة السودان الكبير.
وأنا واحد ممن عاشوا هذه التجربة الجميلة. فقد شاءت الأقدار أن يعمل والدي، منذ خمسينيات القرن الماضي، في وزارة الصحة الاتحادية، فتنقلنا معه بين مدن السودان المختلفة. عشت في حلفا، وسنجة، وكسلا، وبورتسودان، وعطبرة، وشندي، ومروي، ومدني، والأبيض، والدلنج، وكادقلي، ونيالا، والفاشر، والروصيرص، وملكال، وجوبا قبل الانفصال.
لم تكن تلك المدن مجرد محطات في حياتي، بل كانت فصولاً من كتاب السودان الجميل. تعلمت فيها أن اختلاف اللهجات ليس حاجزاً، وأن تنوع الملامح ليس سبباً للفرقة، وأن الإنسان السوداني، أينما كان، يحمل في داخله ذات الكرم، وذات الشهامة، وذات المحبة.
عرفت ثقافة الآخر، فأحببته. أحببت رقصاته وأغانيه، وأزياءه، ولهجته، وطعامه، وأفراحه، وأحزانه، لأنني كنت أراه سودانياً قبلياً، لا ممثلاً لقبيلة أو جهة.
ولذلك يؤلمني أن أقرأ اليوم من يحاول غرس بذور القبلية داخل مؤسسات الدولة، أو يدعو إلى تقسيم الوظائف على أسس جهوية وقبلية. فهذه الأفكار هي التي مزقت السودان، وأضعفت نسيجه الاجتماعي، وأشعلت نار الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
إن الخدمة المدنية ليست ملكاً لقبيلة، ولا إرثاً لجهة، وإنما هي مؤسسة وطنية تقوم على الكفاءة والأمانة والعدالة. فإذا فقدت هذه المبادئ، ضاعت هيبة الدولة، وضاعت معها فرص بناء وطن يتساوى فيه الجميع.
يا من يلهج لسانكم بالقبلية… من أين جئتم بهذه الأفكار؟ ومن أقنعكم أن الوطن يُبنى بالعصبية لا بالمواطنة؟ إن السودان لم يعرف عظمته إلا حين كان أبناؤه يعبرون أقاليمه دون خوف، ويعملون في كل بقعة منه، ويشعرون أن كل مدينة هي مدينتهم، وكل بيت هو بيتهم.
دعونا نغرس في نفوس الأجيال القادمة أن التنوع نعمة، وأن الاختلاف مصدر ثراء، وأن الوطن أكبر من أي انتماء ضيق. فلا مستقبل لبلد تتنازعه القبائل، ولا نهضة لأمة تُقسمها الجهوية.
أبعدوا القبلية عن حياتنا، وعن مؤسساتنا، وعن خطابنا اليومي. ازرعوا مكانها قيمة المواطنة، والاحترام، والعدالة، والمساواة. فالسودان وطن الجميع، ولن يبنيه إلا جميع السودانيين، مهما اختلفت ألوانهم ولهجاتهم وثقافاتهم.
سيظل السودان أكبر من القبيلة، وأبقى من الجهة، وأسمى من كل دعوات الفرقة. وسيبقى الأمل قائماً ما دام بيننا من يؤمن بأن هذا الوطن الواسع يتسع لنا جميعاً… دون استثناء.



