مقالات

ضربة للمكان… واستهداف للذاكرة: ماذا يعني قصف تلفزيون الأبيض؟ : د.حسب الرسول محمد سعد

العلا برس

 

 

لم يكن استهداف مبنى تلفزيون الأبيض هذا الأسبوع مجرد حادث عابر في سياق التصعيد، بل يمثل تطورًا لافتًا في طبيعة الأهداف التي تطال البنية المدنية والإعلامية في البلاد. فالمؤسسات الإعلامية، بحكم دورها في نقل الحقيقة وتشكيل الوعي العام، تصبح في أوقات النزاع أكثر من مجرد منصات بث—بل أدوات تأثير وصراع سرديات.

تقع أهمية تلفزيون الأبيض في كونه أحد المنابر المحلية التي لعبت دورًا في نقل نبض المجتمع في ولاية شمال كردفان، حيث ظل لسنوات يوثق تفاصيل الحياة اليومية، ويعكس قضايا المواطنين، ويمنح مساحة للأصوات التي قد لا تجد طريقها إلى الإعلام المركزي.

استهداف مثل هذه المؤسسة يطرح عدة تساؤلات جوهرية:

هل أصبح الإعلام المحلي جزءًا من بنك الأهداف؟ وهل نحن أمام مرحلة يُعاد فيها تشكيل المشهد الإعلامي بالقوة، عبر إضعاف المنصات التقليدية وخلق فراغ معلوماتي؟

من الناحية المهنية، يؤدي غياب المؤسسات الإعلامية الميدانية إلى تراجع جودة المعلومات المتاحة، ويفتح المجال أمام الشائعات والتضليل، خاصة في ظل بيئة مشحونة ومفتوحة على احتمالات متعددة. فكلما تراجعت المنصات الموثوقة، زادت قدرة الروايات غير الدقيقة على الانتشار.

لكن خلف هذا التحليل، تقف حكايات شخصية لا تقل أهمية. فبالنسبة لي، لم يكن تلفزيون الأبيض مجرد مبنى أو جهة عمل، بل كان نقطة البداية الحقيقية لمسيرتي الإعلامية، حيث عملت مذيعًا خلال الفترة من 2005 إلى 2008. هناك، تشكّلت ملامح التجربة الأولى، وتكوّن الوعي المهني، وتراكمت تفاصيل لا يمكن فصلها عن الذاكرة.

إن فقدان هذا المكان لا يُقاس فقط بحجم الخسارة المادية، بل بمدى ما يتركه من أثر في وجدان من مرّوا عبره، وتعلموا بين جدرانه، ووقفوا أمام كاميراته لأول مرة.

إن استهداف الإعلام لا يوقف الكاميرات فقط، بل يحاول إطفاء الضوء الذي يكشف الحقيقة. ومع ذلك، تظل التجارب والخبرات التي خرجت من تلك المؤسسات حية، قادرة على الاستمرار بأشكال مختلفة، حتى في أصعب الظروف.

في النهاية، قد تُستهدف المباني، لكن الرسالة الإعلامية—إذا وجدت من يحملها بوعي ومسؤولية—لا يمكن إخمادها بسهولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى