
*رجعنالك، وعينينا الـ(بَكَّتْ فجعت)*
*رموشاً دموع (سخينة)*
*وبي فرح عودتنا (رَفَّت)*
*زغردت كلمات (حنينة)*
*رجعنالك عشان (تاه الفرح) من دارنا*
*رجعنالك وإنت (ديار فرحنا)*
*رجعنالك عشان (ناحت سواقينا)*
*رجعنالك وبَكَت (شَتْلات قمحنا)*
*رجعنالك عشان (يسكت جرحنا)*
*بهذه الكلمات المشبعة بـ(الحسرة) و(الحنين) و(الأمل)، صدحت حناجر “البلابل” معلنةً عودة الأحباب بعد غيابٍ فرضته الحرب، وحنينٍ أشعلته الذكريات*
*هذه الأغنية لم تكن مجرد لحن عابر، بل كانت فلسفة كاملة للعودة، تُلامس جوهر الإنسان السوداني؛ فقد لخّصت في دقائق، ما لا يُقال في مجلدات: (اللوعة، الغياب، الحنين، ثم اللقاء والرجوع إلى الأصل)*
*البلابل — وهن: (حياة، وآمال، وهادية) — بنات الأستاذ عبد المجيد محمد علي بدوي المعروف بـ(طلسم)، اختزنَّ في أصواتهن طبقات الوطن من الفرح والشجن. أدّين هذه الأغنية على (السلم العالي)، وكأنهن (يرفعن الحنين نفسه) درجات نحو السماء*
*أما الكلمات، فقد كتبها الشاعر عبد الباسط سبدرات، ذلك الشاعر السياسي الذي جمع بين صرامة القانون وحنان القصيد. هو من سطر نبض الناس بحبر من وجد، ومواقف من ذهب*
*سبدرات، شاعر الدولة والإنسان، لم يكن نصه مجرد شجن بل كان (نفسه في الأغنية) – وكان رجع النبض لوطنٍ أضناه النزف*
*وهو الذي قدم خلال مسيرته إسهامات لا تُعدّ، في الثقافة، والشعر، والإعلام، وبصم بعمق في الوجدان السوداني*
*وقد لحنها الموسيقار الموسيقار (بشير عباس) ، في توليفةٍ جعلت منها (نشيد العودة)، و(تراتيل الشوق) التي تسكن كل عائد*
*من أوجاع الحرب إلى دفء اللجوء… ثم العودة حين اشتعلت الحرب التي ابتدرتها الميليشيات، وتحولت الأحياء إلى ساحات للنهب والسلاح، لم يكن أمام آلاف السودانيين سوى الرحيل. مصر، كانت الوجهة الأقرب والأحن، رغم مشقة الطريق وصعوبته؛ فقد عبر العائدون الحدود بأجسادٍ مُنهكة، وقلوبٍ مرتجفة، وهم يبحثون عن (ملاذٍ آمن)*
*وهناك، في شوارع القاهرة، وأسوان، والإسكندرية، تناثروا بحثًا عن السكن، والعلاج، والتعليم، ورغيفٍ لا تعقبه (المخاوف وانتظار الإنذار)*
*وقد (احتضنهم الشعب المصري) بحفاوة وكرم، وفتح بعض الأفراد والمؤسسات ذراعيهم للعون؛ فـ(الجامعات المصرية) فتحت أبوابها بتخفيضاتٍ مشجعة، و(بعض المستشفيات) قدّمت خدمات مجانية أو رمزية*
*كانت هناك نماذج مضيئة كثيرة، من أبناء الشعب المصري، الذين عاملوهم كأهلٍ لا كغرباء*
*ورغم كل ذلك، لم تكن مصر (الوطن البديل)، بل (المنفى الرحيم). ومع خفوت أصوات الرصاص، بدأ (نداء العودة) يعلو في صدورهم:*
*”لا بد نرجع، ونستتيف الأفكار قبل الشنط، ونعود نلملم الحكايات، ونحمل أطفالنا للديوم من جديد*
*عادوا بـ(حدوهم الأمل)… عادوا وقد (شحذهم الألم)، لكن لم يُطفئ فيهم الشوق*
*عادوا إلى ساحات الطفولة، والجامعات، والطرقات التي حفِظَت خُطاهم*
*في الساحات العامة بدأت الحياة تدب من جديد: (مباريات الكرة الطائرة، حفلات الزفاف* *مهرجانات الأحياء، رائحة الشاي في أمسيات الحنين)*
*عادوا كي (يبنوا لا ليبكوا)، وعادوا ليقولوا: “نحن هنا، لنبدأ من جديد*
*نناشد حكومة الأمل الوطني بأن تُضاعف جهدها، وتُعلي صوت مسؤوليتها تجاه هؤلاء العائدين*
*يحتاجون إلى خطط إسعافية لتوفيق الأوضاع، و(تحسين مستوى الخدمات)، و(تهيئة البيئات الصحية والتعليمية)، و(تمكين الشباب والنساء)، و(دمجهم الفعلي في الحياة العامة)*
*في قلب المشهد وحين العتمة ، تتلألأت أسماء المتطوعين والمتطوعات، الذين كانوا (أهلًا في غياب الأهل)، وسندًا في وقت (التيه)*
*نموذجا كانت (سوهندا عبد الوهاب) تلك السيدة السودانية الأصيلة، التي لم تكتفِ بالدعاء بل (باشرت العطاء)*
*سوهندا، (الفاعلة الإنسانية)، نفذت عشرات المبادرات، ووزّعت الوجبات، وأطلقت حملات دعم نفسي واجتماعي، خاصة للنساء العائدات*
*نناشدها اليوم أن تواصل المشوار، وتقود زمام مبادرة جديدة، من أجل تمكين العائدات، ودمجهن اقتصاديًا واجتماعيًا*
*رجعنالك عشان يسكت جرحنا*
*لكن (الجرح لا يندمل إلا بالعمل)*
*دعونا نُفجّر الطاقات، نطلق ورشًا للإبداع، نبني، نُعمر، نُعيد تأسيس (البيت الكبير)*…
*فرصتنا أن نبدأ الآن*
*فالعودة ليست نهاية المطاف، بل هي (بداية الانطلاقة)*



