ولايات

بقلم: خليل فتحي خليل : بلاغ لوزارة الصحة بالنيل الابيض… (المياه النظيفة اساس الحياة)

العلا برس

 

في وطنٍ يئن تحت وطأة التحديات الصحية والاقتصادية، تبرز قضية المياه النظيفة كواحدة من أخطر القضايا التي لا تحتمل التأجيل أو المجاملة. فالماء الذي جعله الله أصل الحياة، قد يتحول – إن أُهملت مصادره وساءت طرق نقله – إلى ناقلٍ صامت للأمراض، يفتك بالإنسان دون إنذار. وفي ولاية النيل الأبيض، وتحديداً بمدينة كوستي، تتكرر مشاهد تثير القلق وتستدعي دق ناقوس الخطر؛ حيث تُنقل مياه الشرب من الخيران والمياه الراكدة عبر (كوارو) الحمير، وهي وسائل في أغلبها غير مهيأة صحياً، ولا تصلح لنقل مياه يُفترض أن تكون صالحة للاستهلاك البشري.
هذه الممارسات لا تعكس فقط فجوة في الخدمات، بل تكشف عن خللٍ عميق في منظومة الإمداد المائي والرقابة الصحية. فالمياه الراكدة بطبيعتها بيئة خصبة لتكاثر البكتيريا والطفيليات، وعندما تُنقل بوسائل مكشوفة أو ملوثة، فإنها تحمل معها أمراضاً خطيرة مثل الإسهالات، والتيفوئيد، والكوليرا، وغيرها من الأوبئة التي أنهكت المجتمعات من قبل. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تجاوزات فردية، بل ظاهرة تتسع رقعتها بصمت، وتحتاج إلى تدخل عاجل وحاسم من وزارة الصحة والجهات ذات الصلة.
إن نظافة المياه لا تبدأ من لحظة شربها، بل من مصدرها أولاً، حيث يجب أن يكون محمياً ونقياً، مروراً بطرق التخزين والنقل التي ينبغي أن تتوفر فيها الشروط الصحية، وصولاً إلى المستهلك دون أن تتعرض لأي تلوث. فالماء النظيف ليس ترفاً، بل حق أصيل من حقوق الإنسان، وأي إخلال به هو انتهاك مباشر لصحة المواطن وكرامته. كما أن التوعية المجتمعية تلعب دوراً محورياً، إذ لا يكفي أن نوفر المياه، بل يجب أن نضمن وعياً بكيفية التعامل معها، وحمايتها من التلوث في كل المراحل.

إن ما نشهده اليوم في كوستي من نقلٍ عشوائي للمياه من مصادر غير آمنة، هو جرس إنذار يجب أن يُسمع بوضوح داخل مكاتب صناع القرار. فالصحة العامة لا تحتمل التهاون، والمياه الملوثة لا تقتل بصخب، بل تتسلل في صمت إلى الأجساد، فتنهكها وتثقل كاهل المؤسسات الصحية. وعليه، فإننا نضع هذا البلاغ أمام وزارة الصحة بولاية النيل الأبيض، مطالبين بتشديد الرقابة على مصادر المياه، ومنع استخدام الوسائل غير الصحية في نقلها، وتوفير بدائل آمنة تحفظ للمواطن حقه في ماءٍ نظيف.
هذا الحال ليس في محلية كوستي فقط التي اخذناها كمثال بل في كل المحليات
كما ندعو إلى إطلاق حملات توعوية واسعة، وتفعيل دور المحليات واللجان المجتمعية في مراقبة هذه الظاهرة، لأن حماية المياه هي حماية للحياة نفسها. فإما أن نتحرك اليوم بوعيٍ ومسؤولية، أو ننتظر غداً لنواجه أزمة صحية أكبر، كان بالإمكان تفاديها. فالماء إن صلح صلحت الحياة، وإن فسد، فسد معها كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى