مقالات

​مرور ثلاث سنوات على الحرب في السودان: جرحٌ إنساني مفتوح (3-4)

​ المحور العسكري.. "معركة الوجود وصمود المؤسسة الوطنية"

 

 

 

​بقلم: د. حسبو حران

 

​نأتي في هذا الجزء لنكتب للجانب الذي غيّر وجه المنطقة؛ الجانب العسكري. نُوثق كيف تحولت مدن السودان، وعلى رأسها الخرطوم، إلى ساحات لأعنف حرب مدن في تاريخ البلاد، وكيف واجهت المؤسسة العسكرية الوطنية مؤامرة كبرى كانت تهدف لاقتلاع جذور الدولة واستبدالها بميليشيا لا تعرف نظاماً ولا قانوناً.

​تحدي حرب المدن والتفوق التكتيكي

رغم أن القوات المسلحة السودانية، وتاريخها العريق الممتد لمائة عام، لم تخض من قبل “حرب مدن” بهذا الاتساع والتعقيد، إلا أنها استطاعت استيعاب الصدمة الأولى ببراعة احترافية. لقد أثبت الجيش السوداني تفوقاً تكتيكياً وعسكرياً باهراً في التعامل مع حرب العصابات داخل الأحياء السكنية، حيث تمكن من تحييد قدرات المتمردين النوعية وتقليص فاعليتهم في بيئة قتالية معقدة، محافظاً في الوقت ذاته على تماسك قيادته وسيطرته الميدانية.

​التحول من الدفاع إلى الهجوم: منعطف تاريخي

من أهم ملامح هذه الحرب أنها أحدثت تحولاً جذرياً في “العقيدة القتالية” للجيش السوداني؛ فلأول مرة منذ تكوينه، تحولت عقيدة الجيش من الاستراتيجية الدفاعية إلى استراتيجية الهجوم والمبادأة. هذا التحول لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان انعكاساً لإرادة وطنية قررت تطهير كل شبر دنسه التمرد. فانطلقت العمليات الهجومية لتدك معاقل المتمردين وتستعيد المواقع الاستراتيجية، مما نقل المعركة من “حماية المقار” إلى “سحق التمرد” في جحوره.

​”الدروع البشرية” وتدنيس الحرمات

لقد اعتمد المتمردون تكتيكاً عسكرياً يفتقر لأدنى أخلاقيات الجندية، حيث اتخذوا من بيوت المواطنين، ودور العبادة، والمرافق الحيوية “دروعاً بشرية”. ولم تكتفِ الميليشيا بذلك، بل اتجرأت على “حرمة المشافي”؛ حيث تم اقتحام وتحويل مستشفى “الدايات” (أم درمان للولادة) العريق إلى ثكنة عسكرية وموقع لسكن المقاتلين. هذا الصرح الذي ارتبط في وجدان السودانيين بـ “ميلاد الحياة”، أراد المتمردون تحويله إلى “منصة للموت”، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.

​التلاحم الشعبي في ظل التباهي بالقتل

تميزت هذه الحرب بقيام المتمردين بـ توثيق جرائمهم بالصوت والصورة، والتباهي بالقتل والتمثيل بالجثث، ظناً منهم أن ذلك سيكسر شوكة الشعب. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ هبّ السودانيون في “مقاومة شعبية” عفوية ومنظمة، ملتفين حول جيشهم الوطني، ومؤكدين أن هذه المعركة هي “معركة كرامة” يخوضها الشعب والجيش في خندق واحد ضد مرتزقة لا وطن لهم.

​إن التاريخ العسكري سيسجل أن الجيش السوداني لم يحافظ فقط على الدولة من الانهيار، بل أعاد صياغة فنون القتال في المدن بعقيدة هجومية جديدة، مثبتاً أن الجندي السوداني الذي يستمد قوته من شعبه لا يمكن لغدر المتمردين أن يكسر عزيمته.

 

في الجزء الرابع والأخير نتحدث عن المحور السياسي.. “معركة السيادة والبحث عن فجر جديد”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى